الديبلوماسية.. تاج السيادة المغربية

الأحد 6 يونيو 2021
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO- يونس دافقير

ما يظهر من صرامة وحزم في مواقف الديبلوماسية المغربية ليس وليد الأزمة مع ألمانيا وإسبانيا. جذور ذلك تعود على الأقل في الزمن القصير إلى سنة 2016. وفي الخطاب الملكي في القمة المغربية الخليجية بالرياض شهر أبريل من سنة 2016 سيكشف الملك محمد السادس عن تحديات المحيط الدولي، التي تساعد على فهم هذا التوجه الدبلوماسي الذي قد يسميه البعض بأنه «صدامي».

عقب السنوات الأولى من أحداث «الربيع العربي»، سيظهر مفهوم «الدولة الفاشلة» للإشارة إلى الدول التي فقدت مقومات الدولة بسببس«الربيع العربي»، من ليبيا إلى اليمن وسوريا... انهارت الدولة وصارت هذه البلدان تخضع لمنطق الوزيعة بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى. يبدو أن مخطط «الربيع العربي» حقق هدفه، وسهل على تركيا وروسيا وإيران والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها وضع اليد على أكثر من قطر عربي.

كان عالما جديدا قيد التشكل، سمته الأساسية الهيمنة والاستحواذ، وكان على كل دولة أن تكتب سيرتها الذاتية ديبلوماسيا، أي أن تقول من هي وما هي إمكانياتها وطموحاتها، وما مدى حصانتها أمام التدخلات والهيمنة الخارجية، وفي هذه الفترة كان على المغرب أن يقدم سيرته الذاتية لعالم متقلب وقيد التشكل.

وشاءت الصدف أن تكون أولى الاختبارات مع واشنطن سنة 2013 حين تقدمت سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، بتوصية إلى مجلس الأمن لتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. الرد المغربي سيأتي صارما بقرار ملكي ومفاده إلغاء المناورات العسكرية المشتركة مع المارينز، وإبلاغ البيت الأبيض والعواصم الدولية الكبرى بأن القرار فيه اعتداء على السيادة المغربية.

ولم يمض غير وقت قصير حتى جاء الاختبار الثاني مع فرنسا، وذلك حين سعت عبر أحد قضاتها إلى اعتقال مسؤول أمني مغربي كبير بناء على شكايات كيدية مخدومة تصب في مصلحة الجزائر. الملك محمد السادس سيتخذ قرارا حاسما كما في الحالة الأمريكية تعليق التعاون القضائي مع باريس ورفض أي تواصل هاتفي مع الرئيس فرانسوا هولاند.

نفس الأمر سيقع مع السويد وهي تسير نحو الاعتراف بالبوليساريو في الوقت الذي تخوض فيه صناديقها السيادية حربا على الاقتصاد المغربي، ثم مع هولندا بسبب تسليم المجرمين وتدخلها في الشؤون الداخلية للمغرب خاصة في منطقة الريف. وسيظهر منهج الصرامة والحزم أيضا في العلاقة مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوثه كريستوفر روس إلى درجة تنظيم مسيرات شعبية ضدهما في المغرب، والجميع يتذكر القرار الملكي بطرد العناصر المدنية لبعثة المينورسو من أقاليمنا الجنوبية.

وبعض من فصول ذلك عشناه مع الاتحاد الأوروبي بعد أن أسقطت المحكمة الأوروبية الاتفاق الفلاحي واتفاق الصيد مع المغرب. وفي بعض الأحيان كان على المغرب أن يصل إلى الدرجة القصوى في ردود الفعل، ومن ذلك فضيحة تمويل وتسليح حزب الله وخلفه إيران للبوليساريو. القرار الملكي سيكون حاسما، وفيه عودة إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع طهران.

وفي الواقع سياسة الحزم والصرامة ظلت تسير جنبا إلى جنب مع سياسة أخرى وهي عدم «الانخراط في صراع المحاور»، لذلك رأينا أنه في الخلاف الخليجي لن يساير المغرب الأطروحة الإماراتية السعودية ووقف إلى جانب قطر، ولو تطلب منه ذلك دفع فاتورة استقلالية المواقف في شكل سوء تفاهم وبرود في العلاقة مؤقتا مع السعودية والإمارات...

ثمة نماذج أخرى يمكن سردها، وهي تخضع لنفس المنطق والقانون، كلما ظهر هناك استهداف لمصالح المملكة، يكون رد الفعل المغربي صارما وحازما، وما يجري هذه الأيام مع ألمانيا وإسبانيا ليس قاعدة جديدة هو حلقة من ضمن حلقات أخرى في هذا المسلسل والاختيار.

في خطاب الملك أمام القمة الخليجية المغربية، نقرأ ما يشغل بال الملك محمد السادس ومنه يمكن فهم اختياراته الديبلوماسية، في هذا الخطاب يقول الملك إن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة. فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة وتقسيم الدول، كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا. مع ما يواكب ذلك من قتل وتشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي. ثم يضيف «ما تم تقديمه كربيع عربي، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز».

وسيكون الملك أكثر وضوحا في باقي فقرات الخطاب حين يقول «إن الوضع خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف» ثم يتساءل الملك «ماذا يريدون منا؟». ليجيب «إننا أمام مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي. فالأمر واضح، ولا يحتاج إلى تحليل. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية. وأقصد هنا دول الخليج العربي والمغرب والأردن، التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها»، ليخلص إلى «إننا نواجه نفس الأخطار، ونفس التهديدات، على اختلاف مصادرها ومظاهرها».

وسيشرح الملك ذلك بشكل أكثر مباشرة «إن المخططات العدوانية، التي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب.وهذا ليس جديدا. فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة في مناوراتهم المكشوفة. فهم يحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها».

لم تكن الصرامة والحزم، وعدم الانخراط في سياسة المحاور ما أنتج هذه الصرامة الديبلوماسية في مواجهة مخططات العدوان، كان لابد من توفير روافع لهذا الاختيار والتوجه، ومنها تنويع الشركاء الدوليين وعدم الاقتصار على العلاقة الكلاسيكية مع اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، في خطابه المذكور سيكشف الملك عن ذلك بوضوح حين قال «هناك تحالفات جديدة، قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة. وهي في الحقيقة، محاولات لإشعال الفتنة، وخلق فوضى جديدة، لن تستثني أي بلد. وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي. ومن جهته فالمغرب رغم حرصه على الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع حلفائه، قد توجه في الأشهر الأخيرة نحو تنويع شراكاته، سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي أو الاقتصادي».

وهكذا سيكشف الملك عن شراكاته الجديدة «وفي هذا الإطار، تندرج زيارتنا الناجحة إلى روسيا، خلال الشهر الماضي، والتي تميزت بالارتقاء بعلاقاتنا إلى شراكة استراتيجية معمقة، والتوقيع على اتفاقيات مهيكلة، في العديد من المجالات الحيوية. كما نتوجه لإطلاق شراكات استراتيجية مع كل من الهند وجمهورية الصين الشعبية، التي سنقوم قريبا، إن شاء الله، بزيارة رسمية إليها».

هل أدى هذا الاختيار الديبلوماسي الملكي إلى تحقيق نتائجه. ما من شك في ذلك. ولنعد بالذاكرة قليلا إلى الخلف.

سحبت واشنطن توصية مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، واستدعي الملك ممد السادس إلى قمة في البيت الأبيض مع الرئيس أوباما، وفي النتيجة قرار أمريكي بتوسيع مجال المساعدات الأمريكية الممنوحة للمغرب ليشكل الصحراء. كما أوقفت فرنسا خضوعها القضائي للمناورات الجزائرية، وتوقفت السويد عن الاعتراف بالبوليساريو، وانتهت الأزمة مع الاتحاد الأوروبي إلى اعتراف قانون أن اتفاق الصيد والاتفاق الفلاحي يشملان الأراضي الصحراوية في الجنوب المغربي. أما بان كي مون وكريستوفر روس فقد رحلت برحيلهما أطروحة استفتاء تقرير المصير...

والمتوقع اليوم هو أن تخرج الديبلوماسية المغربية بنفس النتائج من أزمتها الديبلوماسية مع ألمانيا وإسبانيا.

تقوم هذه لمقاربة الديبلوماسية على أنه ينبغي الخروج من نفسية الخوف من الأزمة، وهي تعتبر الأزمة استثمارا وفرصة لتغيير الأوضاع والخروج منه بمكتسبات عملية، ولم يعد الأمر مجرد تصور نظري، ففي كل الأزمات الديبلوماسية السابقة ظهر فعلا أن المغرب يخرج منها بمكاسب تقطع مع الوضع السابق، ما يعني أن الأزمة هنا اختيار مغربي وليست وضعية فرضت عليه.

المغرب وصل إلى هذه الخلاصة: في هذا العالم إما أن تكون قويا أو تكون دولة فاشلة. ولذلك قال الملك في خطاب الرياض «إننا نعيش مرحلة فاصلة، بين ماذا نريد، وكيف يريد الآخرون أن نكون». وقال أيضا «المغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد».

وكل ما حدث بعد ذلك، هو تطبيق حرفي لهذا التحليل والاختيار الملكيين.

 

 

تعليقات الزوّار (0)