حوار.. عثمان مودن: الحكومة ورثت عبئا ثقيلا وتواجه رهان تعبئة الموارد المالية

الخميس 21 أكتوبر 2021
أحمد بلحميدي
0 تعليق
AHDATH.INFO

في الوقت الذي يرتقب بين الحين والآخر تحديد جلسة مشتركة بين مجلس النواب ومجلس المستشارين مخصصة  لتقديم مشروع قانون مالية 2022 بمجلس النواب، من طرف وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، تطرح العديد من التساؤلات حول مدى تجسيد المشروع لبرامج أحزاب الأغلبية الثلاثة، وكذلك على مستوى تمويل هذه البرامج، وهامش تحرك لإنجاح برامجها وأي بدائل لها، لاسيما أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة، تتسم باعتماد نموذج تنموي جديد وكذلك بطموحات كبيرة لتنزيل المنظومة الجديدة للحماية الاجتماعية، فضلا عن ربح تحدي الإقلاع الاقتصادي لطي صفحة جائحة كورونا.

لتسليط الضوء على هذه التساؤلات، تستضيف "الأحداث المغربية"، عثمان مودن رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، والدكتور في المالية العمومية.

 

-إلى أي حد جسد مشروع قانون مالية السنة المقبلة البرنامج الحكومي لأحزاب الأغلبية؟

دعونا  نشير بداية إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2022 أعد في كنف الحكومة السابقة، وأن وزير الاقتصاد والمالية السابق كان ينتمي إلى الحزب القائد للحكومة الحالية، وهو الحزب نفسه الذي يسير وزارة الاقتصاد والمالية حاليا، بل إن مدير الميزانية بوزارة المالية هو نفسه الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في هذه الحكومة، وهي كلها مؤشرات دالة على استمرارية المحاور الكبرى لمشروع قانون المالية في جزء كبير منها كما أعدت سلفا.

ونعلم جميعا أن المحاور الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2022 كما تم وضعها، تستند إلى التوجيهات الملكية السامية، بل إن الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، أكد على مسألة مهمة وهي أن تستمر الحكومة الحالية في تنفيذ الأوراش المفتوحة ومن ضمنها ورشا الحماية الاجتماعية وتنزيل النموذج التنموي، وبالتالي من البديهي أن تظهر هذه الأمور في البرنامج الحكومي وأن تنزل في مشروع قانون المالية لسنة 2022 وفي قوانين المالية الموالية.

ونرى أن البرنامج الحكومي جاء منسجما مع التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية ومع التوجيهات الملكية، وهو برنامج جد طموح خاصة في شقه المتعلق بتعزيز آليات الإدماج والتقدم في تعميم الحماية الاجتماعية، وتقوية الرأسمال البشري والاستثمار فيه بما يضمن تكافئ الفرص (الصحة والتعليم)، مع ذلك لا بد أن نسجل كون الحكومة الحالية لديها هامش التصرف جد محدود ماليا خلال سنة 2022، وبالتالي ينبغي منحها الوقت الكافي لتنزيل برنامجها الحكومي عبر قوانين المالية المقبلة والبحث عن آليات للتمويل في مشاريع قوانين المالية التي ستكون موضوع البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات قادمة.

ولعل هامش التصرف المالي المحدود للحكومة في السنة المالية 2022، يتجلى من خلال استمرارية مؤشر الرصيد العادي للميزانية بشكل سلبي بناقص 15 مليار درهم، وهو ما يعني أن المداخيل العادية للميزانية لا تكفي حتى لتغطية النفقات العادية، وهذا أمر سلبي في التدبير المالي العمومي تحتاج الحكومة إلى التغلب عليه في قوانين المالية المقبلة.

-إذن من أين ستعبئ الحكومة الموارد المالية للإيفاء بهذه الاستحقاقات؟

فيما يخص ورش الحماية الاجتماعية، فالتفكير في إيجاد تمويلات له انطلق مع قانون مالية 2021 عبر ما سمي بالمساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح والدخول (التي فرضت لسنة واحدة على الأشخاص الذاتيين والمعنويين)، لكن الحكومة الحالية ارتأت تمديدها بموجب مشروع قانون المالية لسنة 2022 مع الاقتصار في تطبيقها على الشركات وإعفاء الأشخاص الذاتيين منها، وحصر تطبيقها على الشركات التي يتجاوز ربحها الصافي 1 مليون درهم  بثلاث نسب 2% و3% و5%  حسب مبلغ الربح الصافي المحقق. وحسنا ما فعلت الحكومة على اعتبار أن العائدات المالية لهذه المساهمة ستوجه إلى "صندوق دعم الحماية الاجتماعية" و"التماسك الاجتماعي" (الذي أحدث مع قانون المالية لسنة 2012 وتم تغيير تسميته مع قانون المالية لسنة 2021). هذا إلى جانب حصيلة الضريبة الداخلية على الاستهلاك التي تمول الصندوق نفسه، من أجل توفير الاعتمادات اللازمة لتمويل منظمات الحماية الاجتماعية.

كذلك تم إحداث ما سمي نظام المساهمة المهنية الموحدة التي في جزء منها تمول التغطية الصحية للمستفيدين من هذا النظام، كما أن القانون الإطار رقم 21-09 المتعلق بالحماية الاجتماعية أكد في مواده 11 و12 و13 على آليتين لتمويل هذا الورش عبر الاشتراك  (للقادرين على ذلك) أو عبر التضامن.

ومع ذلك، فإن هذا الأمر غير كاف بالنظر لحجم ورش الحماية الاجتماعية، وأهميته وكذلك باقي الأوراش الأخرى المرتبطة بقطاعي الصحة والتعليم وتفعيل النموذج التنموي الجديد، وبالتالي الحكومة الجديدة تواجه تحدي حقيقي لتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لتمويل هذه الأوراش، خارج إطار الحلول التقليدية المتعلقة بالزيادة في الضرائب والتوجه للاقتراض.

 

-هل من بدائل متاحة؟

أكيد أن دعم قطاعا الصحة والتعليم مسألة تشكل أولوية قصوى لدى الحكومة، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القطاعات الأخرى التي لا تقل أهمية كذلك.

وأكيد أن عقلنة وترشيد الإنفاق العمومي بالمغرب يبقى تحديا مهما يجب أن تكسبه الحكومة، لكن هذا الأمر تعترضه عوائق عملية، إذ لا يمكن المس بنفقات الاستثمار لأنها محرك رئيسي للاقتصاد  وللمقاولة الوطنية، وعلى مستوى نفقات التسيير لا يمكن المس كذلك بنفقات الموظفين لثباتها باعتبارها مخصصات تكتسي طابع تقليدي في الميزانية، ولما لها من انعكاس على الأمن والاستقرار المجتمعي، وهو ما يدفع للقول أن هامش الفعل لدى الحكومة وبالنظر لبنيات النفقات الحالية يبقى شبه ضيق، ويبقى الحل في ترشيد وعقلنة نفقات المعدات والنفقات الأخرى التي يمكن أن يتم ضبطها إن توفرت الإرادة لذلك.

وبخصوص إمكانية اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، فالجميع يعلم أن حكومة عزيز أخنوش، ورثت عبئا ثقيلا عن حكومة سعد الدين العثماني والمتعلق بالمديونية الخارجية للمغرب، فالدين العمومي الخارجي للمغرب عرف أكبر قفزة في تاريخه بزيادة أكثر من 62 مليار درهم في ظرف خمس سنوات، حيث انتقل من 312 مليار درهم سنة 2016 ليصل إلى عتبة374  مليار درهم سنتي 2020 و2021، أي ما يمثل أزيد من 34% من الناتج الداخلي الخام، وبالتالي فإن اهتمام الحكومة الحالية ينبغي أن ينصب على التخفيف من عبء هذه المديونية والتحكم فيها، بدل الرفع منها، وهو ما قد ينتج عنه بالتبعية تعميق أزمة المالية العمومية بالمغرب.

وفيما يتعلق بالتمويلات الجبائية، فبدل الاعتماد على الحل التقليدي في الرفع والزيادة من نسب الضرائب، بما يشكله ذلك من زيادة الضغط الجبائي على الفئات والمؤسسات المستهدفة نفسها، يمكن أن يتم العمل على ثلاثة مستويات:

أولها إدماج القطاع غير المهيكل في المنظومة الاقتصادية المغربية وجعله مصدرا إضافيا لتمويل الميزانية، والتفكير في إدراج أنشطة أخرى ضمن المنظومة الضريبية وخصوصا الأنشطة التي تتم على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، ولما لا التفكير في فرض ضريبة على الدخول المتأتية من صناعة المحتوى والمؤثرين في اليوتوب، وإنستغرام وغيرها...

ثانيها محاربة الغش والتهرب الضريبيين بسن نصوص قانونية واضحة وصريحة تزجر المتهربين، وهذين الأمرين سيمكنان لا محالة من تحقيق هدف توسيع الوعاء الضريبي، وبالتبعية تحقيق أحد أهم الأهداف الأساسية التي جاء من أجلها القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الجبائي، لكن هذا الأمر يبقى رهينا بمدى تملك الحكومة الحالية للشجاعة والجرأة السياسية والقدرة على مواجهة جماعات الضغط المستفيدة من الوضع الحالي، وهنا لا يفوتنا أن نؤكد من جانبنا على أنه بالنظر لإكراهات الظرفية الحالية، فالمقاولات المغربية مدعوة لأن تستحضر أدوارها ومسؤوليتها المجتمعية وأن تنخرط في أداء ضرائبها بشكل تلقائي مساهمة منها في إنجاح مغرب النموذج التنموي المنشود.

وثالثها، وضع حد لمنظومة تقادم الديون العمومية التي تفوت على الدولة موارد مالية مهمة وتخل بمبدأ العدالة الضريبية، وهي أمور سبق وأن عبر عنها منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد  والمالية في تقاريره الصادرة عقب النسخ السابقة للقافلة التواصلية لقانون المالية.

 

 

*دكتور في المالية العامة-رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية

 

 

 

تعليقات الزوّار (0)