باتفاق مع الاستقصائي الأمريكي Ian Urbina.. أحداث أنفو تنشر تحقيقا عن جحيم معتقل المهاجرين السريين بليبيا(2/2)

الجمعة 24 ديسمبر 2021
أحداث أنفو
0 تعليق

AHDATH.INFO

 

عقد الاجتماع السري في حي فقير للمهاجرين في طرابلس، عاصمة ليبيا التي تعيش أوضاعا صعبة. أطلقت على الحي تسمية قرقاش، وهو المكان الذي كان يُطلق عليه أثناء الحرب العالمية الثانية "كامبو 59"، واستخدم كسجن عسكري أداره الإيطاليون ثم الألمان. اليوم، هو عبارة عن خلية من الأزقة والشوارع الضيقة، تحيط بها مطاعم الوجبات السريعة ومحلات الهواتف المحمولة. وكانت المداهمات التي يقوم بها رجال الميليشيات جزءا من الحياة اليومية.

عمليات مراقبة للمهاجرين السريين بالمتوسط Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

كنت قد وصلت إلى ليبيا قبل بضعة أيام للتحقيق في مصير مهاجر إفريقي شاب يدعى أليو كاندي. كان مزارعا في بلده الأم غينيا بيساو لكن الجفاف والفيضانات عرّضت محاصيله للخطر الأمر الذي هدّد معيشة زوجته وأبنائه. كان قد انطلق إلى أوروبا حالما بالحصول على عمل. وقد نجح في اجتياز العديد من البلدان والمصاعب مع قطاع الطرق والعواصف الرملية، ولكن تم القبض عليه في البحر الأبيض المتوسط من قبل خفر السواحل الليبي وإعادته إلى أحد أكثر سجون المهاجرين شهرة في البلاد.

في الواقع، كان كاندي ضحية لجهود أوروبا الطويلة والقبيحة في كثير من الأحيان لوقف تدفق المهاجرين الأفارقة إلى شواطئها. عزز الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا في كثير من الأحيان، إمكانيات خفر السواحل الليبي، وزاد من قدرته على تعقب المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط، وغض الطرف عن الأهوال التي حلت بالعديد من المهاجرين الذين استقبلتهم السلطات الليبية.

تم نقل كاندي في أوائل شهر فيفري/شباط من عام 2021 إلى واحد من أكبر سجون المهاجرين وأكثرها اكتظاظا وعنفا في البلاد، وهي منشأة تسمى مركز المباني.

الآن، في قرقارش، أتيحت لي الفرصة لمقابلة أشخاص كانوا معه في مركز المباني. سوماهورو، صديق كاندي، الذي تم اصطحابه معه إلى مركز المباني عندما تم القبض على زورقهم، استقبلني على الطريق الرئيسية، واقتادني إلى مبنى من الطوب والصعود إلى غرفة بلا نوافذ يقطنها مهاجران آخران. وحول وجبة "شانا ماسالا"، حدّثني عن الفترة التي قضاها في السجن قائلا "الحديث عن هذا الموضوع صعب حقا بالنسبة لي".

مهاجرون سريون في انتظار المجهول Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

قال سوماهورو إن المهاجرين في مركز المباني كانوا يتعرّضون للضرب بسبب الهمس لبعضهم البعض، أو التحدث بلغاتهم الأصلية، أو الضحك. وكان يقع احتجاز مثيري الشغب لعدة أيام في غرفة العزل" ، وهي محطة وقود مهجورة خلف زنزانة النساء مع لافتة "شال فيول" معلقة في المقدمة. لم تحتو الزنزانة على حمام ولذلك لم يكن هناك من بديل سوى التبرّز في الزاوية. كانت الرائحة كريهة جدّا إلى درجة أن الحرّاس كانوا يرتدون أقنعة لدى زيارتهم لها. كان الحرّاس يعمدون، خلال عمليات الضرب، إلى ربط يد المحتجز بحبل معلّق من عارضة سقف فولاذية.

يقول سوماهورو: "ليس من السيء للغاية رؤية صديق أو رجل يصرخ أثناء تعذيبه.. لكن رؤية رجل طوله ستة أقدام يضرب امرأة بالسوط...". في مارس/ آذار، نظّم سوماهورو إضرابا عن الطعام احتجاجا على عنف الحرّاس فتمّ نقله إلى غرفة العزل. تعرّض للضرب مرارا ووقع تعليقه من العارضة رأسا على عقب. ويقول: "إنهم يعلقونك مثل قطعة من الملابس".

أكد العديد من المحتجزين الذين تحدثت إليهم أنهم شهدوا عدة انتهاكات جنسية وإهانات. أخبرتني أدجارا كيتا، وهي مهاجرة تبلغ من العمر ستة وثلاثين عاما من ساحل العاج، احتجزت في "المباني" لمدّة شهرين، أن النساء كثيرا ما كنّ يؤخذن من زنزانتها ليتمّ اغتصابهن من قبل الحرّاس. وتقول: "كانت النساء تعدن باكيات". في أحد الأيام، بعد هروب امرأتين من "المباني"، قام الحرّاس، في عمل انتقامي عشوائي على ما يبدو، بإمساك كيتا، ونقلها إلى مكتب قريب وضربها.

يعيّن الحرّاس مهاجرين كمتعاونين، الأمر الذي يجعل المهاجرين أنفسهم. تطوّع محمد سوما، البالغ من العمر 23 عاما من غينيا كوناكري، للمساعدة في المهام اليومية بعد وصوله، وسرعان ما تمّ دفعه للحصول على معلومات: أي المهاجرين يكرهون بعضهم البعض؟ ومن هم المحرّضون؟.

ظروف لاإنسانية بمراكز استقبال المهاجرين السريين Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

عندما تمّ إضفاء الطابع الرسمي على هذا الاتفاق، أخذ المهاجرون يطلقون عليه اسم "المندوب". إذا دفع مهاجرون فدية للمغادرة فكان هو من يتولّى المفاوضات. ولمكافأته، كان يُسمح له بالنوم خارج زنزانته في المستوصف أو مع الطهاة الذين يعيشون على الجانب الآخر من الشارع. وفي وقت من الأوقات، كهدية على ولائه، سمح له الحرّاس باختيار عدّة مهاجرين ليتمّ إطلاق سراحهم. وكان بإمكانه حتى مغادرة المجمع تماما رغم أنه لم يذهب بعيدا عنه، ويقول لي: "كنت أعرف أنهم سيجدونني ويضربونني إذا حاولت المغادرة".

تقوم منظمة أطباء بلا حدود بزيارة السجن مرّتين في الأسبوع. ووجدت أن كدمات وجروحا تملأ أجساد المحتجزين الذين كانوا يتجنبون التواصل العيني ويرتعبون إذا سمعوا أصواتا مرتفعة. في بعض الأحيان، كانوا يمرّون ملاحظات يائسة إلى طاقم مجموعة الإغاثة تتم كتابتها على كتيّبات ممزقة لمنظمة الصحة العالمية. أخبر الكثير من المهاجرين الأطباء أنهم يشعرون أنهم "مختفون"، وكانت أولى المسائل التي طلبها الكثيرون هي إخبار عائلاتهم أنهم على قيد الحياة.
خلال إحدى الزيارات، لم يتمكّن الطاقم حتى من دخول زنزانة كاندي لأنها كانت مكتظة للغاية - وقدّروا أن هناك 3 مهاجرين في كلّ متر مربّع - مما أجبرهم على علاج المهاجرين في الفناء. أدى هذا الاكتظاظ إلى انتشار أمراض السل وجدري الماء والالتهابات الفطرية وكوفيد 19. وقد تمّ أخبر مهاجرون الأطباء بتعرّضهم للضرب في الليلة السابقة، وتمّ تسجيل إصابات بكسور وجروح وصدمات حادة، وقد أصيب طفل بجروح بليغة إلى درجة أنه لم يستطع المشي.

بعد أسابيع قليلة من اعتقال كاندي، أحضر أعضاء لجنة الإنقاذ الدولية، والممولة أساسا من قبل الاتحاد الأوروبي، المياه والأغطية التي طلبتها المنشأة. ولكن بعد أسبوع، أعلنوا أنهم لن يقدموا المزيد من المساعدات لسجن المباني بعد اكتشافهم أن الحرّاس احتفظوا ببعض الإمدادات لأنفسهم. في موفى شهر مارس/آذار ، قام المسؤول القنصلي بسفارة غينيا كوناكري شريف خليل بزيارة السجن. وقف كاندي في الصف متظاهرا أنه من غينيا كوناكري وسأل عما إذا كانت السفارة تستطيع أن تساعد في إخراجه من السجن. قالي لي خليل "لقد كان يائسا".

في منتصف وجبتي مع سوماهورو، رنّ هاتفي. وبدأ ضابط شرطة على الخط في الصراخ في وجهي "لا يُسمح لك بالتحدث إلى المهاجرين. لا يمكنك أن تتواجد في قرقاش". قال لي إنه إذا لم أغادر الحيّ فورا فسيتمّ اعتقالي. عندما عدت إلى سيارتي، أخبرني ضابط الشرطة الذي كان يقف هناك، أنني إذا تحدثت إلى أي مهاجرين آخرين فسوف يتم طردي خارج البلاد. بعد ذلك، لم يُسمح لي ولفريقي بالمغامرة بعيدا. إذا أراد محتجزون سابقون رواية قصصهم، كان علي أن أدخلهم إلى فندقي خلسة.

عندما قدمت إلى ليبيا، وعدني مسؤولون في الحكومة الليبية بأنه سيُسمح لي بمراقبة وحدة خفر السواحل الليبي والقيام بجولة في السجن، ولكن بعد عدة أيام من المحاولات، أصبح واضحا أن أيا منهما لن يحدث. في وقت متأخر من بعد ظهر أحد الأيام، ذهبت مع فريقي إلى زقاق غير ظاهر على بعد نصف ميل من مركز الاحتجاز وأطلقنا طائرة درون صغيرة تصوّر فيديوات وجعلناها تحلّق فوق فناء "المباني" مرتفعة بشكل كاف حتى لا يلاحظها الحرّاس.

على الشاشة رأيت الحرّاس يستعدّون لإعادة المهاجرين إلى زنازينهم بعد تناول وجبة في الفناء. كان هناك حوالي 65 محتجزا يجلسون في ركن من الفناء، متجمّعين بشكل محكم، لا يحرّكون ساكنا، رؤوسهم إلى أسفل، أرجلهم مطوية، ويد كلّ رجل تلمس ظهر الرجل الذي أمامه. عندما نظر مهاجر إلى جانبه، انحنى أحد الحرّاس وضربه على رأسه.

خلال حكم القذافي وبعده، بنت ليبيا عشرات المنشآت لاحتجاز مجموعة متنوعة من المعتقلين، سجناء سياسيون وأعضاء ميليشيات ومرتزقة أجانب. عندما لجأت أوروبا إلى البلاد الليبية للقبض على المهاجرين وسجنهم، كان هناك إمداد جاهز للسجون الرسمية ومراكز الاحتجاز المرتجلة لاستخدامها. يوجد حاليا حوالي 15 مركز احتجاز معترف بها أكبرها "المباني".

عمليات ضبط قوائم المهاجرين السريين Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

يقول في هذا الإطار مسؤول بالمنظمة الدولية للهجرة إن هناك عشرات الآلاف من المهاجرين المحتجزين منذ سنة 2017. بموجب القانون الليبي يمكن احتجاز الأجانب غير المصرّح لهم إلى أجل غير مسمى دون السماح لهم بالحصول على محام. ولا يوجد اختلاف في التعامل بين اللاجئين لأسباب اقتصادية وطالبي اللجوء وضحايا الاتجار غير المشروع.
في ماي/أيار، أبلغت ستّ نساء في مركز شرع الزاوية محققي منظمة العفو الدولية عن تعرّضهن للاغتصاب ولأشكال أخرى من العنف الجنسي والتعذيب. في منشأة أبوسليم، قتل مهاجران خلال محاولتهما الفرار خلال شهر فيفري/شباط المنقضي. وقال مهاجر محتجز في أبو سليم للمحققين: "الموت في ليبيا طبيعي، لن يبحث عنك أحد ولن يجدك أحد". صرّحت ديانا الطحاوي، التي تعمل في منظمة العفو الدولية، في شهر جويلية/ تموز، أن "الشبكة الكاملة لمراكز احتجاز المهاجرين متعفنة في صميمها".

يتمّ وضع المهاجرين الذين يقبض عليهم خفر السواحل في حافلات، وقع توفير العديد منها من قبل الاتحاد الأوروبي، ونقلهم إلى السجون. في بعض الأحيان، تبيع وحدات خفر السواحل المهاجرين إلى مركز احتجاز مقابل مبلغ مالي. البعض منهم، على ما يبدو، لم يصل أبدا إلى أحد السجون الرسمية.
في الأشهر السبعة الأولى من سنة 2021، تمّ أسر أكثر من 15 ألف مهاجر من قبل خفر السواحل الليبي تمّ احتسابهم على الشاطئ من قبل منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة، لكن حوالي 6 آلاف فقط وصلوا إلى المنشآت الرسمية. يقول رئيس البعثة في ليبيا لدى منظمة الهجرة الدولية فيدريكو سودا إن "الأرقام ببساطة لا تتطابق". يعتقد سودا أن العديد من المهاجرين يختفون في منشآت "غير رسمية" يديرها مهرّبون وميليشيات ولا تستطيع مجموعات الإغاثة الوصول إليها.

تمّ إنشاء سجن المباني في بداية العام الحالي على يد القيادي البارز في كتيبة الزنتان عماد الطرابلسي. لهذه الميليشيا صلات بقيبلة الزنتان التي ساهمت في الإطاحة بالقذافي واحتجزت ابنه كسجين سياسي لسنوات. أما اليوم، فقد انضمت الكتيبة إلى حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة وعمل الطرابلسي لفترة وجيزة كنائب لرئيس المخابرات. وقد رفض الطرابلسي التعليق. وقد تمّ بناء السجن في أحد أركان المدينة تسيطر عليه المليشيا، وأصبح أعضاؤها يمثّلون طاقم المنشأة وحرّاسها. وعيّن الطرابلسي نائبا موثوقا به، نور الدين الغريتلي، قائد ميليشيا معسول الكلام، لإدارة السجن.

أطفال ضمن قوافل المهاجرين السريين Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

في السابق، كان الغريتلي مسؤولا عن سجن للمهاجرين شهير بوحشيته يطلق عليه "تاجوراء" ويقع في قاعدة عسكرية على المشارف الشرقية لطرابلس. في تقرير لهيومن رايتس ووتش صدر عام 2019، وصف ستة محتجزين، بينهم صبيّان في السادسة عشرة من العمر، تعرّضهم للضرب المبرح في المنشأة، في حين تحدّثت امرأة عن تعرّضها لاعتداءات جنسية متكرّرة.

وروى كاتبو التقرير رؤية محتجزة تحاول شنق نفسها بينما كان الحرّاس ينظرون إليها دون تقديم أي مساعدة. وبحسب محققي الأمم المتحدة، فقد طُلب من المهاجرين هناك أيضا القيام بأعمال قسرية في المنشأة بما في ذلك تنظيف الأسلحة وتخزين الذخيرة وتفريغ الشحنات العسكرية. في جويلية/تموز 2019، شنّت قوات المتمردين غارات جوية على القاعدة العسكرية وقصفت الأماكن التي كان يتم احتجاز المهاجرين فيها. قتل أكثر من 50 شخصا من بينهم 6 أطفال. وانتهى الأمر بمعظم المهاجرين الذين نجوا إلى الانتقال إلى سجن المباني.

يقرّ الاتحاد الأوروبي أن الظروف في مراكز احتجاز المهاجرين قاسية. صرّح المتحدث باسم الصندوق الاستئماني "إن موقف الاتحاد الأوروبي تجاه ظروف احتجاز المهاجرين في ليبيا واضح: الوضع في هذه المراكز غير مقبول. يجب إنهاء نظام الاحتجاز التعسفي الحالي ".

في العام الماضي، قال نائب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيب بوريل "إن قرار الاحتجاز التعسفي للمهاجرين يقع على عاتق الحكومة الليبية وحدها". في اتفاقه الأولي مع ليبيا، تعهد الاتحاد الأوروبي بالمساعدة في تمويل عملية احتجاز المهاجرين وجعلها آمنة. اليوم، يصرّ المسؤولون الأوروبيون على أنهم لا يمولون المراكز بشكل مباشر. طبيعة إنفاق الصندوق الاستئماني مبهمة، لكن المتحدث باسمه يقول إن الصندوق يرسل الأموال فقط إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية التي تقدم "الدعم المنقذ للحياة للمهاجرين واللاجئين المحتجزين"، بما في ذلك من خلال توفير "الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة النقدية والمواد غير الغذائية".
إلا أن عضوة البرلمان الأوروبي تينيكي ستريك صرّحت لي أن هذا الادعاء ليس له أي معنى إلى حدّ كبير. وقالت: "إذا لم يموّل الاتحاد الأوروبي خفر السواحل الليبي وأجهزته فلن يكون هناك اعتراض للمهاجرين ولن تكون هناك إحالة إلى مراكز الاحتجاز المروّعة هذه".

كما أشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي يرسل أموالا إلى حكومة الوحدة الوطنية، التي تشرف إدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية التابعة لها على هذه المراكز. وأضافت أنه حتى لو لم يكن الاتحاد الأوروبي يدفع بشكل مباشر لبناء مراكز الاحتجاز أو رواتب المسلّحين العاملين فيها، فإن أمواله، التي يتم إنفاقها من خلال الوكالات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، تساعد بشكل غير مباشر في دعم الكثير من عملياتها. تشتري أموال الاتحاد الأوروبي القوارب التي تأسر المهاجرين، والأجهزة اللوحية التي تعمل باللمس التي يستخدمها عمال الإغاثة لعدهم عند نزولهم، والحافلات التي تنقلهم إلى السجون.

طواقم الإغاثة Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

تساعد أموال الاتحاد الأوروبي التي يتم توجيهها من خلال وكالات الأمم المتحدة مثل منظمة الهجرة الدولية ومفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين في دفع ثمن البطانيات والملابس الشتوية والنعال التي يتلقاها المهاجرون عند وصولهم. كما قامت هذه الأموال ببناء الحمامات في العديد من المرافق، واشترت الصابون ومستلزمات النظافة وورق الحمّام الذي يستخدمه المهاجرون، وكذلك المراتب التي ينامون فيها. ويدفع صندوق الاتحاد الأوروبي الاستئماني لأفريقيا تكاليف العربات التي تستخدمها السلطات الليبية لمطاردة المهاجرين الفارين من الاحتجاز، والقبض على من يدخلون البلاد عبر الصحراء الكبرى.

عندما يمرض المحتجزون ، تنقلهم سيارات الإسعاف التي اشتراها الصندوق الاستئماني إلى المستشفى. وعندما يموتون، تدفع أموال الاتحاد الأوروبي ثمن أكياس جثثهم، وتدرّب السلطات الليبية على كيفية التعامل مع جثثهم بطريقة مناسبة دينيا. بشكل فردي، تساعد بعض هذه الجهود في جعل السجون أكثر إنسانية، ولكنها مجتمعة تساعد في الحفاظ على النظام. أقر تقرير داخلي أصدرته بعثة الاتحاد الأوروبي لمساعدة الحدود، في عام 2019، بذلك، محذرا من أن جزءا من آخر مبلغ مالي، حوالي تسعين مليون يورو، من المرجح أن يذهب نحو تشغيل المراكز، مما يؤدي إلى مزيد من الاستغلال والانتهاكات.

تستخدم الميليشيات أيضا مجموعة متنوعة من الأساليب لتحقيق ربح من المنشآت. غالبا ما تسحب الميليشيات الأموال والبضائع التي ترسلها المنظمات الإنسانية والوكالات الحكومية لفائدة المهاجرين - وهو مخطط يُعرف باسم "تحويل المساعدات". قال مدير مركز احتجاز في مصراتة لمحققين تابعين لهيومن رايتس ووتش إن الميليشيا التي تدير السجن كانت أيضا تدير شركة التموين التي تقدّم الطعام، واستولت على 85% من الأموال التي منحتها الحكومة ومجموعات الإغاثة لإطعام المهاجرين. كما تم توثيق سرقة الميليشيات للطعام والبطانيات والدلاء وأدوات النظافة. وخلصت دراسة داخلية موّلها الصندوق الاستئماني في أفريل 2019 إلى أن الكثير من الأموال التي يرسلها عبر المنظمات الإنسانية انتهى بها الأمر إلى الميليشيات. وتقول الدراسة: "في معظم الأحيان إنها عمليّة تدرّ أرباحا".

تسمح القوانين، التي تعود إلى عهد القذافي، بإجبار الأجانب، بغض النظر عن أعمارهم، على العمل دون أجر. يمكن لمواطن ليبي أن يأخذ مهاجرين من مركز الاحتجاز ويصبح، مقابل مبلغ معيّن، "الكفيل" على المهاجرين ويشرف على العمل الخاص لفترة محدّدة من الوقت.
في 2017، بثّت "سي إن إن" لقطات لما يشبه مزادا للعبيد، حيث تمّ بيع المهاجرين للعمل في المزارع وحظائر البناء، وانطلق المزاد من مبلغ 400 دينار ليبي أو ما يعادل 88 دولارا للشخص الواحد. هذا العام، قال أكثر من عشرة مهاجرين من سجن المباني، بعضهم لم يتجاوز عمره الرابعة عشر، لمنظمة العفو الدولية، إنهم أُجبروا على العمل في المزارع أو في المنازل الخاصة، وتنظيف وتحميل الأسلحة في مخيمات عسكرية أثناء أعمال عدائية نشطة.

ولعلّ المخطط الأكثر شيوعا هو الابتزاز. داخل مراكز الاحتجاز كلّ شيء له ثمن، الحماية والغذاء والدواء، والأغلى من ذلك كلّه الحرّية. لكن حتى دفع الفدية لا يضمن الإفراج، فبعض المهاجرين تتم ببساطة إعادة بيعهم إلى مركز احتجاز آخر. وقالت دراسة الصندوق الاستئماني "لسوء الحظ ونتيجة للعدد الكبير للمراكز الاحتجاز ولتسليع المهاجرين، يتمّ احتجاز العديد منهم من قبل مجموعة أخرى بعد إطلاق سراحهم مما يؤدي إلى دفع فديات متعددة".

في لقاء مع السفير الألماني في وقت سابق من هذا العام، اعترف اللواء المبروك عبد الحفيظ، الذي يشرف على مديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، الجهاز المسؤول عن مراكز احتجاز المهاجرين، بالظروف الوحشية في السجون. وصوّر نفسه وبلده على أنهما مكلّفان بالقيام بعمل مستحيل. وأضاف قائلا: "ليبيا لم تعد بلد عبور، بل ضحيّة تُركت وحدها لمواجهة أزمة فشلت فيها دول العالم".  (رفض عبد الحفيظ التعليق على هذا المقال). عندما اتصلت بالغريتلي، مدير سجن المباني، وسألته عن مزاعم سوء المعاملة هناك، أجاب قائلا: "لا يحدث أي انتهاك"، ثم أغلق الهاتف.

من إحدى عمليات الهجرة السرية Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

علمت أنه بينما كان كاندي في زنزانته تمسّك بإشاعة كانت قد اجتاحت المنشأة وتتمثل في أن الحرّاس سيطلقون المحتجزين في الزنزانة رقم 4 بمناسبة شهر رمضان. وفي انتظار إطلاق سراحه، وجد طرقا لتمضية الوقت، حاول تعلّم اللغة العربية مع لوثر ولعب البوكر.
تحدّث لوثر في دفتر يومياته عن احتجاج نفّذته سجينات وكتب "كنّ في ملابس داخلية ويجلسن على الأرض لأنهن طالبن أيضا بإطلاق سراحهن".
وضع كاندي ولوثر ألقابا للحرّاس بناء على الأوامر التي كانوا يطلقونها. أحدهم كان يُعرف بـ"خمسة خمسة" ذلك لأنه كان يصرخ أثناء تناول الطعام مذكرا المهاجرين أنه على كلّ خمسة أشخاص أن يتقاسموا كلّ طبق. حارس آخر لُقّب بـ"قعمز"، وتعني "اجلس"، لأنه كان يحرص على ألا يقف أحد. فيما كان "التزم الصمت" يراقب المحادثات.
في مرحلة معيّنة، اضطرّ كاندي ولوثر إلى الاهتمام بمهاجر بدا أنه يعاني من نوبة نفسية، وكان يضرب ويصرخ بأعلى صوته. كتب لوثر "لقد كان غاضبا إلى درجة أننا اضطررنا إلى كبح جماحه حتى نتمكّن من النوم بسلام". في النهاية، أخذه الحرّاس إلى المستشفى بعد أن ترجاهم كاندي، إلا أنه عاد بعد ثلاثة أيام مضطربا كما كان دائما. وكتب لوثر "وضعية لا تصدّق".

مع نهاية شهر مارس/ آذار، أعلم الحرّاس المهاجرين أنه لن يتمّ إطلاق سراحهم في رمضان. كتب لوثر في مذكراته، "الحياة هكذا في ليبيا. لا يزال يتعيّن علينا التحلّي بالصبر حتى نتمتع بحرّيتنا". لكن كاندي تحطّم. عندما تمّ القبض عليه في البداية، فشل خفر السواحل بطريقة ما في مصادرة هاتفه الخلوي. وقد أبقاه مخفيا خوفا من أنه إذا تمّ الانتباه إليه فسوف يُعاقب بشدّة. ولكن بحلول نهاية شهر مارس/آذار، قام بإرسال رسالة صوتية إلى إخوته عبر واتساب محاولا شرح الموقف بسرعة. وترجّاهم قائلا: "لا يمكن الاحتفاظ بالهاتف هنا لفترة طويلة. كنا نحاول الذهاب إلى إيطاليا عبر البحر. لقد قبضوا علينا وأعادونا ونحن الآن محتجزون في السجن.. جدوا طريقة للاتصال بوالدنا". ثم انتظر على أمل أن يتمكنوا معا بطريقة ما جمع الفدية.

في الساعة الثانية من فجر الثامن من شهر أفريل/نيسان ، استيقظ كاندي على ضوضاء قادمة من مقدمة الزنزانة رقم 4، كان العديد من المهاجرين السودانيين يحاولون فتح الباب الأمامي والهرب. خشى كاندي من أن يعاقب جميع السجناء وقام بإيقاظ سوماهورو الذي واجه السودانيين بمعيّة مهاجرين آخرين. وقال لهم سوماهورو: "لقد حاولنا الفرار عدّة مرّات من قبل ولم ننجح أبدا. لقد تعرّضنا للضرب للتو". عندما لم يستمع السودانيون إليهم، طلب سوماهورو من أحد المهاجرين تنبيه الحرّاس الذين قام أحدهم بوضع شاحنة رمل أمام باب الزنزانة وسدّها بالكامل.

قام السودانيون بسحب أنابيب حديدية من جدار الحمام واستخدامها لضرب من تدخّلوا ضدّهم. أُصيب مهاجر في عينه وسقط آخر على الأرض والدم يتدفق من رأسه. بدأت مجموعات في رشق بعضها البعض بالأحذية ودلاء بلاستيكية وزجاجات شامبو وقطع من ألواح الجبس المكسورة.
حاول كاندي الابتعاد عن الشجار وقال لسوماهورو:" لن أقاتل.. أنا أمل عائلتي بأكملها". استمرّ الشجار لمدّة ثلاث ساعات ونصف. صرخ المهاجرون طلبا للمساعدة قائلين "افتحوا الباب!". ولكن عوضا عن ذلك، ضحك الحرّاس وهلّلوا وقاموا بتصوير المعركة كما لو كانت عملية نزال داخل قفص. وقال أحدهم وهو يمرّر زجاجات المياه من خلال البوابة لإبقاء المتشاجرين منتعشين "استمرّوا في القتال.. إذا كنت تستطيع قتلهم فافعل ذلك".

في الساعة الخامسة والنصف صباحا، غادر الحرّأس وعادوا ببنادق نصف آلية. ودون سابق إنذار، أطلقوا النار على الزنزانة عبر نافذة الحمّام لمدّة عشر دقائق متواصلة. قال لي سوماهورو: "بدت وكأنها ساحة معركة". أصيب إسماعيل دومبويا وأيوبا فوفانا، وهما مراهقان من غينيا كوناكري، على مستوى الساق. أصيب كاندي، الذي كان يختبئ داخل الحمام أثناء القتال، في رقبته. ترنّح على طول الجدار ملطّخا بالدماء ثمّ سقط على الأرض. حاول سوماهورو إبطاء النزيف بقطعة قماش. بعد عشر دقائق مات كاندي.

وصل الغريتلي بعد عدّة ساعات. وصرخ في الحرّاس قائلا "ماذا فعلتم؟ يمكنكم فعل أي شيء لهم ولكن لا يمكنكم قتلهم!". رفض المهاجرون تسليم الجثمان إذا لم يتمّ إطلاق سراحهم، فاستدعى الحرّاس المذعورون سوما، المندوب، للتفاوض معهم.

في النهاية وافقت الميليشيا على شروطهم. وقال سوما "أنا سوما سأفتح هذا الباب وستخرجون يا رفاق، ولكن هناك شرط واحد. عندما تخرجون، لا تتسبّبوا في مشاكل ولا تتسبّبوا في فوضى. سأكون أمامكم وسأركض معكم حتى الخروج". قبل الساعة التاسعة صباحا بقليل، اتخذ الحرّاس مواقعهم بالقرب من البوابة رافعين البنادق. فتح سوما باب الزنزانة وطلب من 300 مهاجر أن يتبعوه خارج السجن ببطء في صفّ واحد دون أن يتحدثوا. تباطأ عدد من الركّاب في الصباح وهم يحدّقون في سيل المهاجرين أثناء خروجهم من المجمع وذوابنهم في شوارع طرابلس.

عملية إنقاذ جديدة لرحلة للتهجير السري Credit: Ed Ou/The Outlaw Ocean Project

بحلول يومي السادس في طرابلس، كنت أجمع تفاصيل حادثة وفاة كاندي. وقمنا بإجراء مقابلات مع عشرات المهاجرين والمسؤولين وعمّال الإغاثة رغم معارضة الحكومة. كان لديّ انطباع واضح أن موظفي الفندق و"حرّاس الأمن" الخاصّين بنا يبلغون السّلطات بتحرّكاتنا.

يوم الأحد 23 ماي/أيار، قبل الساعة الثامنة بقليل، كنت جالسا في الفندق، على الهاتف مع زوجتي الموجودة في العاصمة الأمريكية واشنطن، عندما سمعت طرقا على الباب. عندما فتحت الباب، اقتحم  عدد من المسلّحين الغرفة مصوّبين مسدّساتهم نحو جبهتي وصرخوا "انزل على الأرض". وضعوا غطاء على رأسي وضربوني - قاموا بركلي ولكمي والدوس على رأسي - تاركين ضلعين مكسورين ودماء في البول وتلفا في كلّيتي، ثمّ سحبوني من الغرفة.

في ذلك الوقت، كان فريقي من الباحثين في طريقه لتناول العشاء بالقرب من الفندق الذي كنا نقيم فيه. اصطدمت شاحنة صغيرة بيضاء بسيارة مدنية أمامهم، ممّا أدى إلى قطع الطريق، وقفز من الشاحنة 6 رجال ملثّمين ومسلّحين بأسلحة نصف آلية. أخذوا سائق فريقي من السيارة وقاموا بضربه بالمسدّس ووضعوا عصابات على أعين زملائي واقتادوهم بعيدا. تمّ نقلنا جميعا إلى غرفة استجواب في موقع أسود، أين تعرّضت للضرب مجددا على رأسي وضلوعي. كنت أستمع إلى رجال يهدّدون الآخرين.

صرخ أحدهم في وجه مصوّرنا بيار قطار "أنت كلب!" وضربه على وجهه. بينما كان الحرّاس ينقلونني من غرفة إلى أخرى، كانوا يوجهون لي من حين لآخر في رأسي وضلوعي. همسوا بتهديدات جنسية لعضوة فريقنا ميا دولس دو جونغ، وهي مخرجة هولندية، قائلين: "هل تريدين حبيبا ليبيا؟". بعد سويعات قليلة، نزعوا أحزمتنا وخواتمنا وساعاتنا ووضعونا في زنازين.

اكتشفت منذ ذلك الحين، من خلال الإحالات المرجعية لصور الأقمار الصناعية، أننا كنّا في سجن سرّي صغير على بعد 700 ياردة من السفارة الإيطالية. أخبرنا آسرونا أنهم جزء من "جهاز المخابرات الليبي"، وهو وكالة تابعة لحكومة الوحدة الوطنية - الحكومة المُعترف بها من قبل الأمم المتحدة والتي تشرف أيضا على سجن المباني - ولكنها (الوكالة) مرتبطة بميليشيا تسمّى كتيبة النواصي. تفاخر المحققون بأنهم عملوا معا في عهد القذافي. ادعى أحدهم، الذي كان يتحدّث الانكليزية، أنه قضى وقتا في كولورادو في برنامج تدريبي تديره وزارة الأمن الداخلي الأمريكية يركّز على إدارة السجون.

وُضعتُ في زنزانة عزل فيها مرحاض ودش ومرتبة إسفنجية على الأرض وكاميرا مثبتة في السقف. كان هناك فتحة صغيرة مستطيلة في الباب كان الحرّاس من خلالها يسلّمون علب الأرز الأصفر وزجاجات المياه. في كلّ يوم، كان يتمّ اصطحابي إلى حجرة التحقيق واستجوابي لمدّة تصل إلى خمس ساعات في كلّ مرّة.

ظلّ رجل يقول لي: "نعلم أنك تعمل في وكالة المخابرات الأمريكية.. هنا في ليبيا التجسس عقوبته الإعدام". أحيانا، كان يضع مسدّسا على الطاولة أو يصوّبه نحو رأسي. بالنسبة لمن قام بأسري، أصبحت الخطوات التي اتخذتها لحماية فريقي دليلا على تورّطي. لماذا يرتدون أجهزة تتبّع؟ ولماذا يحملون نقودا ونسخا من جوازات سفرهم في أحذيتهم؟ لماذا لديّ "جهازي تسجيل سرّيين" في حقيبتي (آبل ووتش وغوبرو) جنبا إلى جنب مع مجموعة من الأوراق بعنوان "مستند سرّي" (قائمة جهات اتصال في حالة طوارئ التي كانت في الواقع تسمّى "مستند أمان").

حقيقة أنني كنت صحفيا لم تكن حجة دفاعية بقدر ما كانت جريمة ثانية. قال لي الخاطفون إنه من غير القانوني إجراء مقابلات مع المهاجرين بشأن الانتهاكات في سجن المباني. وسألوني "لماذا تحاول إحراج ليبيا؟". أكدوا أن الولايات المتحدة لها مشاكلها الخاصّة، وقالوا لي مرارا وتكرارا "لقد قتلتم جورج فلويد". بدأت أشعر باليأس، ولفترة من الزمن، فتحت غطاء المرحاض وفككت بعضا من السباكة على أمل استخدام قطعة معدنية لفك قضبان النافذة. في مرحلة ما، نقرت على جدار زنزانتي وسمعت عضوا من فريقي ينقر مرّة أخرى، الأمر الذي وجدته، لأسباب غير منطقية، مطمئنا.

بعد أن كانت قد استمعت إلى بداية عملية اختطافي ، أبلغت زوجتي وزارة الخارجية الأمريكية التي بدأت مع وزارة الخارجية الهولندية في الضغط على رئيس حكومة الوحدة الوطنية من أجل إطلاق سراحنا. في مرحلة ما، تمّ أخذنا من زنازيننا لتسجيل فيديو "إثبات الحياة".

طلب منا سجانونا أن نغسل الدماء والأوساخ عن وجوهنا وأن نجلس على أريكة أمام طاولة بها مشروبات غازية ومعجنات. وقالوا لنا "ابتسموا" وأمرونا أن نقول أمام الكاميرا إننا نتلقى معاملة إنسانية. "تحدثوا.. ابدوا طبيعيين". بعد احتجازنا في الأسر لمدّة خمسة أيام، وافقت الميليشيا على إطلاق سراحنا. طُلب منا التوقيع على وثائق "اعتراف" مكتوبة باللغة العربية على ورق يحمل عنوان "إدارة مكافحة العداء" وموقعة من اللواء حسين محمد العايب. عندما سألنا عن محتوى الوثائق، ضحك خاطفونا.
قدّمت لنا التجربة -المخيفة للغاية ولكن القصيرة لحسن الحظ - لمحة صغيرة عن عالم الاحتجاز إلى أجل غير مسمى في ليبيا. غالبا ما كنت أفكّر في المدة التي بقي فيها كاندي محتجزا في الأسر وكم كانت النهاية بالنسبة إليه أكثر وحشية. في 28 ماي/أيار ، تمّ إطلاق سراحنا أنا وفريقي ووقعت مرافقتنا إلى الباب. ولكن مع اقترابنا منه، وضع محقّق يده على صدري قائلا لبقية أعضاء فريقي:"يمكنكم الذهاب لكن إيان سيبقى هنا". حدقنا في بعضنا البعض جميعا ثم انفجر ضاحكا وقال إنه كان يمزح فقط. تمّ نقلنا إلى طائرة حلّقت بنا إلى خارج البلاد وتمّ ترحيلنا رسميا لارتكاب جريمة إعداد تقرير عن المهاجرين.

في الأسابيع التي تلت وفاة كاندي، انتشر الخبر بسرعة في جميع أنحاء المدينة وانتقل مع أولئك الذين تمّ إطلاق سراحهم. وصل النبأ في نهاية المطاف إلى زعيم طائفة البالغ من العمر 44 عاما. ذهب الزعيم مع بالدي، عمّ كاندي الذي كان عاش لسنوات في طرابلس ونصح كاندي بعدم محاولة الذهاب إلى أوروبا، إلى مركز الشرطة بالقرب من سجن المباني حيث تمّ إعطاؤهم نسخة من تقرير التشريح المعدّ من قبل الشرطة.

لم تكن السلطات حتى تعرف اسم كاندي، وكانت الاستمارات مجهولة. ورجّحوا وفاته في قتال الأمر الذي أغضب ساني. وقال لي "لم يكن قتالا.. بل كانت رصاصة". لاحقا، ذهبوا إلى المستشفى المحلّي للتعرّف على جثة كاندي التي كانت على متن نقالة معدنية ملفوفة بقطعة قماش شاش بيضاء تمّ فكّها جزئيا لكشف وجهه. خلال الأيام الموالية، تنقلوا عبر طرابلس لسداد ديون كاندي التي تكبّدها إثر وفاته، 188 دولارا للإقامة في المستشفى، و19 دولارا للكفن الأبيض وملابس الدفن، و236 دولارا كلفة مراسيم دفنه الذي سيتم لاحقا.

علمت عائلة كاندي بوفاته بعد يومين من الحادثة. أخبرني والده سامبا أنه بالكاد يستطيع النوم أو الأكل قائلا: "الحزن يثقل كاهلي". أنجبت هافا طفلهما الثالث، وهي ابنة تدعى كاداتو، تبلغ من العمر عامين الآن، وأخبرتني أنها لن تتزوّج مرّة أخرى حتى تنتهي من الحداد قائلة: "قلبي محطّم". جاكاري، شقيق كاندي، كان يأمل في أن تقبض الشرطة على قتلة أخيه قائلا: "لا أعتقد أنهم سيفعلون ذلك.. لذا كاندي رحل، رحل بكلّ الطرق". ساءت ظروف المزرعة مع زيادة الفيضانات وفقدان أحد عمّالها. كلّ ذلك دفع ببوبو، شقيق كاندي الأصغر، إلى التصريح بأنه سيحاول على الأرجح القيام برحلة إلى أوروبا بدوره قائلا "ماذا يمكنني أن أفعل؟".

إثر وفاة كاندي، تمّ إيقاف الغريتلي عن العمل ولكن بعد بضعة أسابيع عاد إلى منصبه. ورفضت منظمة أطباء بلا حدود، لمدّة 3 أشهر، زيارة السجن. كتبت رئيسة بعثة المنظمة في ليبيا بياتريس لاو "لقد وصل النمط المستمرّ لحوادث العنف والأذى الجسيم للاجئين والمهاجرين، فضلا عن الخطر على سلامة موظفينا، إلى مستوى لم يعد قادرين على القبول به".
وقد استأنفت المنظمة أنشطتها بعد تلقي تأكيدات من السلطات الليبية بأنه لن يكون هناك مزيد من العنف وأنه سيتم السماح لفرقها بالوصول إلى السجن دون عوائق. هذه التأكيدات تبيّن لاحقا أنها جوفاء. في أكتوبر/تشرين الأول ، اعتقلت السلطات الليبية، بما في ذلك ميليشيا الزنتان، 5000 مهاجر في قرقاش، أرسل الآلاف منهم إلى سجن المباني. وفي غضون أسبوع، أطلق الحرّاس النار على مهاجرين حاولوا الهرب مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص.

بعد وفاة كاندي، دعا سفير الاتحاد الأوروبي ساباديل إلى إجراء تحقيق رسمي. ويبدو أنه لم يتمّ إجراء هذا التحقيق أبدا (لم يردّ ساباديل على طلبات التعليق). لا يزال التزام أوروبا ببرامجها المناهضة للمهاجرين في ليبيا ثابتا. جدّدت إيطاليا السنة الفارطة مذكرة التفاهم مع ليبيا. ومنذ مارس/آذار ، استثمرت إيطاليا 4 ملايين دولار إضافية في خفر السواحل، والتزمت المفوضية الأوروبية بتطوير مركز قيادة بحرية جديدة "حديثة ومتطورة" وشراء ثلاث سفن إضافية له. يواصل عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا انخفاضه لكن معدل وفيات من يعبرون البحر الأبيض المتوسط ارتفع بنسبة 40 في المائة منذ عام 2017.

في الثاني عشر من شهر أفريل/نيسان ، بعد وقت قصير من صلاة الخامسة مساء، اجتمع بالدي وساني وحوالي عشرين آخرين في مقبرة بئر الأسطى ميلاد لحضور جنازة كاندي. ، تحتل المقبرة قطعة أرض مساحتها ثمانية أفدنة وتقع بين محطة كهرباء فرعية ومستودعين كبيرين. يتمّ دفن معظم القتلى من المهاجرين في ليبيا هناك، وتضمّ المقبرة حاليا حوالي 10 آلاف قبر، العديد منها دون شواهد. صلّى الرجال بصوت عال بينما تمّ إنزال جثة كاندي في حفرة ضحلة لا يزيد عمقها عن قدم ونصف محفورة في الرمال.

وضعوا فوق القبر ستة قطع من الحجارة المستطيلة وسكبوا طبقة من الإسمنت. سأل أحدهم ما إذا كان لدى أي شخص أموال من كاندي ليعطيها لعائلته فلم يجب أحد. بعد لحظات من الصمت، قال الرجال في صوت واحد "الله أكبر". ثم قام أحدهم، باستخدام عصا، بكتابة اسم كاندي في الأسمنت الرطب.

تعليقات الزوّار (0)