مكناس العتيقة تحتفي بالشعر الحديث على إيقاع الزغاريد وفن الملحون

الثلاثاء 25 يناير 2022
محمد معتصم
0 تعليق

AHDATH.INFO

احتضن مقر جمعية رحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية بمدينة مكناس العتيقة حفل تقديم وتوقيع "طعنات في ظهر الهواء" للشاعر محمد بلمو الذي نظمته في إطار أنشطتها الهادفة، في معلمة تاريخية زاهية بالألوان والأضواء والزخارف وعبق التاريخ وجمهور من النساء والرجال دافئ ومتفاعل ومتذوق. في أمسية باذخة أدار أطوارها الأستاذ نور الدين شماس بتلقائية ومهنية وحبور.

افتتح المداخلات د. مصطفى الشاوي حول التَّنافُر الدَّلالي في الديوان من خلال ثلاث محاور: أولها "التنافر النصي/الكتابة والمحو، فمن العنوان بإمكان القارئ أن يؤسس لفكرة التنافر الدلالي الذي يؤطر النظام الفني للقصائد ويؤثث الرؤيا الشعرية التي يصدر عنها الشاعر في مختلف نصوصه الشعرية.

ويقصد بالتنافر النصي بين الكتابة والمحو في مستواها الأول اختلاف الكتابة الشعرية من حيث كونها تنأى عن النمطية وتسعى إلى توزيع سواد الكتابة على بياض الورق بشكل وظيفي. فيغدو النص الشعري علامة دالة قلبا وقالبا على مواقف الشاعر ورؤاه، ويجسد فعل الكتابة - كإجراء دال ذي بعد رمزي - أكبر حجة يسعى الشاعر في ضوئها إلى إثبات كينونته الروحية ووجوده المادي الذي يهدده المحو.

وعلى الرغم من أن الحزن يخيم على جل نصوص الديوان- بحيث يشكل تيمة محورية، فإن هيمنة السواد على البياض، على ضآلته يزعج الظلام، يقول الشاعر في (َهَمْهَمات): "ضوء ضئيل/ يزعج الظلام". وفق هذه الرؤيا يغدو الضوء مزعجا على قلته، والظلمة مهدّدة على قوة سوادها. وهذا لا ينفي تأكيد الشاعر على المعاني الإيجابية منها الحلم والصبر واليقين كما في نص "الأمل.. لا يموت".

وفي مداخلة د.عمرو لكناوي حول "جدلية الموت والحياة في الديوان" واقف عند عتبتي العنوان والإهداء، فمصطلح طعنات المشتق من فعل طعن يطعن طعنا وطعنة. وطعنه برمح  وخزه به،  وطعن في السن إذا شاخ وهرم. وطعن في حكم القاضي إذا انتقده واستأنف الحكم. وطعن في شرفه إذا قذفه في عرضه ونال منه. وطعن العدو أصابه في المقتل. وطعنه في الظهر إذا قتله غدرا، أو قال فيه كلاما بقصد إذايته نما أو اغتيابا.

والطعن كما يكون بالسيف يكون باللسان كما في قول المثل : "القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر". وطعنات في ظهر الهواء، تعبير مجازي عن طعنات مؤذية في الظهر ، كما تدلل على ذلك مقصدية العنوان. ومصطلح "في ظهر الهواء"، يقصد به الغلاف الجوي، بما يصدر عنه من  أنواع التلوث وأشدها تدميرا للبيئة وللفضاء الخارجي، حيث يتسبب هذا النوع من الطعن في الاحتباس الحراري، بإحداث ثقب في طبقة الأوزون.

فطعنات ظاهرة التلوث وطعنات الموت، التي ضاق الشاعر درعا منها، واكتوى بلظاظاتها، بعد فاجعة اختطاف  "أريج"، منبع خلود الشاعر وعنوان استمراريته. يذكي هذا المنحى روي القصائد الساكن أحيانا والممتد أخرى، انسجاما مع انفعالات  الشاعر النفسي، المتراوحة أصواتها بين الهدوء والاضطراب، بين الحزن والفرح. ليخلص لكناوي إلى أن الشاعر ما كان له ليختط معالم عالم الحياة والحرية لولا اعتماده الكتابة كفعل مقاومة.

وختم د. عبد الله الطني سلسلة القراءات بمداخلة "عندما يزهر جرح الكينونة شعرا في صوت الشاعر محمد بلمو" متسائلا هل الأمر يتعلق بصرخة إيكولوجية، حيث يكون الطاعن في الظهر هو الإنسان الأناني المتهور والمريب فوق سطح هذا الكوكب، والمطعون في الظهر هو الهواء مصدر حياته، وشرط استمرار كينونته ؟ أم أن المطعون، هاهنا، هو صوت الشاعر الشفوف نفسه، والطاعن هو القبح والقيم الاستهلاكية البرغماتية الرخيصة، والتي تطعن من الخلف، قيم الثقافة التنويرية، وسائر التعابير الجمالية الراقية...

الحفل المتميز والدافئ، تخلله إنشاد قصائد من طرب الملحون لكل من المنشد السعيد بن بلة، والمنشدة حكيمة طارق، عزف جوق رحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية، كما أتحف الشاعر المحتفى به الحضور المتنوع بمجموعة من نصوص إصداره على وقع زغاريد تردد صداها الساحر في جنبات رياض الاكرمي.

تعليقات الزوّار (0)