الإعلامي أنور لكحل يكتب: أيامنا كانت عيدا للأم

الثلاثاء 10 مايو 2022
أنوار لكحل
0 تعليق

AHDATH.InFO

"هذه الرجل لن تبثر، ما دمت على الأقل حيا..." هكذا خاطب الوالد الطبيب المعالج لوالدته (جدتي) ذات صيف حار، طويل وثقيل، من ثمانينيات القرن الماضي، بعد حادثة مؤلمة جدا، كان السوس بدأ في نخر عظم أسفل الرجل اليمنى لجدتي، منذرا بانتشار سرطان، لا ينفع معه إلا الاستئصال، وأضاف الوالد مخاطبا الطبيب: "فلنبحث عن حلول أخرى"، رد الطبيب أن البدائل متعبة ومكلفة ودائمة، قال الوالد إنه مستعد لفعل المستحيل، لكي لا تزول رائحة الجنة من دارنا، فهو الذي ظل يردد دائما وأبدا "الجنة تحت أقدام الأمهات"،،، تلقى بعدها تكوينا مكثفا في التمريض، واقتنى كل المعدات والمستلزمات، والأدوية، وظل يرعى تلك الرجل صباح مساء، طيلة 22 سنة، وبعدما يفرغ من التعقيم واللف، يقبل أسفل رجلها (جدتي)، في مشهد ملحمي اعتدنا عليه يوميا في دارنا، دارنا البسيطة التي كانت تملؤها السعادة والمحبة واللمة الحلوة، عاشت جدتي "أمي جمعة" قرابة قرن من الزمان، وكانت في أيامها الأخيرة قد أصيبت بالزهايمر، فكانت تستحضر أيام الاستعمار، أيام الحرائق المفتعلة والاختطاف والقتل العمد( أجدادنا الذين لم يذكرهم التاريخ و لم تنصفهم بطائق المقاومة)، ماتت الجدة في بداية الألفية، وتحولت جنازتها "عرسا"، هنأت فيه نساء المنطقة والدتي لصبرها وتفانيها في الوقوف إلى جانب والدي في رعاية "أمي جمعة"، وكان كل الذين شيعوها إلى مثواها الأخير، يرددون على مسامع الوالد، لا تحزن فأنت مرضي(رضى الله من رضى الوالدين)كفيت ووفيت، ولقنتنا جميعا درسا في التضحية والصبر والبر والمحبة، فلك في أبنائك ستر وغطاء، وكذلك كان، الحب لم يزد إلا فيضا، وذاك الرابط بيني وبينه يكبر ويصير مقدسا حد التبجيل، بهذه الكلمات لخصت الحكاية على مسمع صهري أثناء طلب يد ابنته المصونة، بحضور ومباركة والداي، تفاجأ الجميع وأنا أتباهى بهذه الحكاية(رأسمالنا الحقيقي) رجل يحب أمه، ووالدة تقف سندا لزوجها في كل لحظات الفرح والقرح، ولا تكل ولا تمل، في التعبير عن حبها واقعا ملموسا، وكان وعدي أني سأكون مثله، ملتزما محبا، رد الصهر بقراءة الفاتحة على روح جدتنا الطاهرة، ووضعت يدي في يده، قال لي الوالد هامسا، لقد فاجأتني، أجبت مبتسما، تلك شهادة مؤجلة،،، اليوم يحل عيد الأم، أشهد ألا أحدا أتقن ذاك التقدير غيره، فحب الأم فعل وليس قول، سلوك وليس شعار، سلوك جعلني ذات مساء أندفع لتقبيل رجل والدتي بالكعبة المشرفة، تحت تكبير نساء، برفقتها، ذرفن دموعهن انبهارا بجرأتي، التي كانت دينا وجب قضاؤه، وإعلان حب موثق من أرض طاهرة، لسان حاله: "أنا هنا لا تخافي"، ولا تغاري من حبي لوالدي، فمهما أعلنته وجاهرت به، فحبك أكثر، وشكرا له، لأنه من علمني أن المرأة وطن، وأن الأم نعمة لا تتكرر....شكرا، أحبكما....

ملحوظة:
الصورة قبل ثلاثين عاما،،،هوايتي المفضلة هي مرافقة الوالد لمكتبه

تعليقات الزوّار (0)