رحيل بيتر بروك آخر أساطير المسرح المعاصر في العالم

الإثنين 4 يوليو 2022
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO

غيّب الموت البريطاني بيتر بروك، أسطورة المسرح وأحد أبرز مخرجي الخشبة في القرن العشرين، إذ توفي السبت عن 97 عاما، بحسب ما أفاد مقربون منه الأحد.

وتميز هذا المسرحي الكبير الذي ولد في بريطانيا وأمضى قسما كبيرا من مسيرته الفنية في فرنسا حيث أسس مسرح “ليه بوف دو نور” بأنه أحدث تجديدا في فن الإخراج المسرحي محررا إياه من الديكورات التقليدية.

عرف بروك عبقري المسرح المعاصر، ليس  المسرح الإنجليزي فقط، بل المسرح بشكل عام، منذ “مارا صاد” ثم “المهاباراتا”، فهذا المخرج والكاتب العملاق الذي قدم أشهر أعمال شكسبير، هجر بلاده منذ أكثر من 40 عاما بعد أن أعلن موت المسرح التقليدي وذهب إلى فرنسا، حيث أسس فرقة صغيرة تخلصت من الأثقال والقيود المسرحية التقليدية، وأصبح يكتب ويخرج مع شريكته الفرنسية ماري إيلين إستيان.

التعرض لتجربة بروك سواء مؤلفاته “المساحة الفارغة” و”النقطة المتحولة” أو عروضه أو أعماله السينمائية، لا يقدم أجوبة بقدر الأسئلة التي تطرحها هذه التجربة، وغالبية هذه الأسئلة تتمحور حول بديهيات فهم المسرح. لماذا يجب أن يهبط الستار في لحظة قوية؟ ولماذا يجب أن يؤكد السطر الجيد من النص؟ ولماذا يجب السعي لإيجاد ضحكة؟ ولماذا يجب أن نتكلم جهراً في مواجهة المعايير اليومية والعادية للحس العام وللحقيقة؟

كل ذلك طرحه بروك ليس بهدف تأصيل التجربة وتعميمها بل لأجل الحفاظ على فعالية الفن المسرحي المتمثلة بالتحول المستمر، إذ أن تجربة بروك لا تفرض نفسها باعتبارها الأنموذج، بل هي الاختلاف، وبالتالي التجارب المختلفة هي التي تؤدي لحدوث أعظم العروض، ومن هنا برزت فكرته بعدم وجود مسرح تام في أي جزء من العالم بل كل ما هنالك شذرات من المسرح، ولم يخش بروك رد الفعل الناتج عن مقارعة المعتقدات المسرحية، فهو من قال إنه كي نواجه جمهورا بصيغ إبداعية جديدة يجب أن تكون قادرا أولاً على مواجهة المقاعد الخالية.

وتبعا لذلك رفض بروك أي طرح للفرز في المسرح سواء على صعيد الجمهور ضمن التقسيم بين “البسيط” باعتباره صبيانيا ومسطحا، و”المركب” المسموح به فقط لأناس ذوي تكوين ثقافي خاص، وكذلك التقسيم على صعيد النوع برفضه الفصل المفتعل بين المسرحية الشعرية والواقعية والطبيعية وغيرها، فالزمن مائع وكذلك المكان وأي تجربة مسرحية يحددها السياق الجغرافي والتاريخي، وفي هذا العصر فإن عرضا يجري في المطبخ أو غرفة المعيشة لم يعد مسرفا في واقعيته.

ولد بيتر بروك في مدينة لندن عام 1925، وهو من أصل ليتواني، درس الأدب المقارن في جامعة أكسفورد، وعمل لحساب التلفزيون البريطاني الوطني، كما مارس التمثيل والإخراج مبكرا وهو في العشرين من عمره، حيث كان عرضه الأول “خاب سعي العشاق” عام 1946، في 1970 انتقل إلى باريس، بعدها استدعته منظمة اليونسكو لتشيّد بإدارته مركزا للأبحاث المسرحية، وفي ما بعد أصبح مركزا للإبداع على حد تعبير بروك.

بروك لم يبدأ عمله في المسرح مدفوعا لشغفه به، ويقول إنه كان يرى المسرح كئيبا مقابل عشقه للسينما، ويتحدث عن لقائه منتجا كبيرا في تلك الفترة بعد إخراجه فيلما في أكسفورد، وطلب من المنتج تمويل فيلم من إخراجه، فأجابه “أستطيع أن أعطيك وظيفة لتتعلم الحرفة وبعد سبع سنوات بالإمكان أن أعطيك الفرصة”.

ويقول بروك إن تجاربه المسرحية الأولى كانت مثيرة بالنسبة إليه من وجهة نظر حسية خالصة، وكان عمله منصرفا نحو الجوانب البصرية نظراً إلى ولعه بالإضاءة والصوت والألوان والأزياء، ويشبه بروك حالته في تلك الفترة كشخص يحب السينما لعشقه بكرات الشرائط والعدسات.

وقد اعتبر الجمهور أن عرض “تيتوس أندرونيكوس” (من أعمال بروك المبكرة) قدّم شيئاً يفوق النص، ما أرضى غرور بروك على حد تعبيره، إلا أنه لم يكن صحيحا، حيث أن الجمهور يسيء فهم وظيفة المخرج ويتصوره كمصمم ديكور يستطيع أن يفعل من أي حجرة أي شيء.

وكان بروك كما يذكر دكتاتوريا في التعامل مع الممثلين في بداية عمله، إذ أنه كان يظن أن على الممثل تنفيذ الأوامر فحسب كما السينما، بعدها بدأ يدرك أن المسرح أمر مختلف كليا.

والمثير في تجربته أنه يتجدد باستمرار ففي واحد من أعماله الأخيرة بعنوان “ألسجين” هجر مثلا فكرة الاندماج والتماثل بين الواقع والحدث المسرحي، ولم يستخدم أدوات فنية مثل المؤثرات البصرية والصوتية، إذ يخلو العرض تماما من الموسيقى، فهو يعود إلى أصول المسرح، ولذلك قوبلت مسرحيته في النقد البريطاني بالتحفظ والرفض، ومع ذلك يظل أهم المسرحيين التجريبيين في العالم وأكثرهم جرأة وحيوية.

تعليقات الزوّار (0)