لقاء بعد اشتياق!

الإثنين 15 أغسطس 2022
بقلم: زينب لعظم، مسؤولة ميدانية بمشروع من فلاح الى فلاح مؤسسة الأطلس الكبير مراكش
0 تعليق

AHDATH.INFO

أن ترتبط أرقى مشاعرك بمكان ما، أن تتمثل اجمل ذكرياتك في هذا المكان، أن تجد نفسك مشتاق لكل شيء فيه، المنازل، الطرقات، تناوب الفصول والألوان، الجو البارد، الشمس الدافئة، الأطعمة الروائح، ملامح الصغار والكبار…. كل شيء هناك يردد عندك شعور واحد ولا شعور سواه، شعور الاشتياق !
بحماس متدفق قدمت متطوعة مشروع من فلاح الى فلاح الذي تحتضنه -مؤسسة الاطلس الكبير- الخبيرة الأمريكية -ألينا كليماس- لتأطير ورشة تدريبية عن التنظيم الإداري لفائدة التعاونية النسائية “وشمة “ المتواجدة بدمنات بإقليم أزيلال جهة بني ملال خنيفرة.


وبعد غياب لأزيد من ثلاث سنوات تعود السيدة ألينا من جديد لتعيش تجربة جديدة مع سكان هذه المنطقة الذين طالما أحبتهم. ألينا التي أصبحت تتقن اللهجة المغربية والأمازيغية تقول بكلمات مفعمة بالفرحة والسرور وشيء من الفقدان :"لقد قضيت سنتين كاملتين باقليم ازيلال وبالضبط بقرية آيت بوكماز في قلب جبال الأطلس في إطار برنامج هيأة السلام، سنتين كانت كفيلة لأتلقى أكبر دروس حياتي. كان كل شيء صعب في البداية ثم سرعان ما وجدت نفسي أنغمس في ذاك المجتمع المختلف، إنني حقا أحس بالانتماء لهذه المنطقة ولعائلتي المضيفة" ثم تختم بكل ثقة : " لقد كنت فتاة جبلية في أمريكا وأصبحت فتاة جبلية في المغرب أيضا".

لقد حدثتني ألينا كثيرا عن تجربتها تلك، وهو ما جعلها تربطها ارتباطا وثيقا بمهمة -من فلاح إلى فلاح- هذه، فتخلق منها تمهيدا رائعا من أجل تواصل ناجح مع أعضاء التعاونية قبل المضي نحو حيثيات الورشة، إذ منذ الوهلة الاولى، استشعر الجميع حقيقة ان ألينا أصبحت أمريكية مغربية، بحيث أحست حقا بما تعيشه النساء من تحديات صعبة كانت الدافع الأساس لديهم حديثا لإنشاء تعاونية فلاحية يسعين بتفاني للنهوض بها من قلب منطقة دمنات.
جعلت ألينا من هذه الورشة التدريبية طاولة للنقاش لتأسيس القواعد الرئيسية التي ينبغي أن تنهجها نساء تعاونية وشمة خلال الثلاث أشهر القادمة باعتبارها تعاونية حديثة الإنشاء، وتمثل ذلك أساسا في تحديد المهام وتنمية القائد والعمل بروح الفريق الواحد… إلا أنه ماتزال نساء تعاونية وشمة حائرات بشأن طبيعة منتوج التعاونية، فكانت تلك آخر محطات النقاش بعدما تبين للخبيرة الامريكية وطاقم مشروع من فلاح الى فلاح ضرورة استخراج منتوج محلي والعمل على تطويره.

تدخلت كل من السيدة - لطيفة هكو- رئيسة التعاونية والسيدة - مليكة النبيكي - أمينة المال لتقترحا مبدئيا إنتاج "البندق" كما تتم تسميته محليا وهو أشبه ما يكون بالزميطة المغربية، ذاك الخليط الصحي من الحبوب والأعشاب، إلا أنه عبارة عن شعير يتم حصده قبل أن يتم نموه كليا ثم يعد بنفس طريقة الزميطة لكن على الطريقة "الدمناتية".

تقول السيدة مليكة "البندق هو إرث من والدتي التي بدورها ورثته عن جدتها منذ أكثر من 70 سنة، فهي لا تزال محافظة على إعداده في شهر رمضان، ولا تمل منه بل تؤكد أنه ضروري في المائدة الرمضانية رغم كثرة مكوناته وصعوبة إعداده، وعلى ما أظن هذا هو السبب الذي أدى ببعض النساء أن يتخلين عنه". وتؤكد مليكة أنه بالنسبة لها سهل وصحي وليس لها بديل عنه خاصة للوقاية من العطش خلال الأيام الحارة.

وبذلك فقد اتضح لنساء تعاونية وشمة شيئا من رؤيتهن المستقبلية، إذ ساعدت ألينا بتقديم التشجيع اللازم لهن وهي واثقة من خطوات النساء، وأكد فريق مشروع من فلاح إلى فلاح من جهته على المواكبة التي ستوفرها مؤسسة الأطلس الكبير من خلال مشاريعها المستدامة.

وخلال اللحظات الأخيرة من الورشة التدريبية قدمت لالة عائشة، أم إحدى المشاركات، وهي سيدة كبيرة في السن إلا أنها تبعث الأمل في الحياة، وتشارك بكلامها الحكيم عصارة الزمن ! لقد استشعرنا معها حقا حنان الأمومة في جلسة مليئة بالدفء والألفة والحديث عن تاريخ وتقاليد منطقة دمنات، إذ عبرت عن فرحتها بقدومنا وبما تعلمته النساء خلال هذه الورشة، وأسعدنا بالمقابل كم أنها تؤمن بنجاح ابنتها من خلال تعاونية وشمة وتساعدها بتجربتها من مدرسة الحياة .
إن مشروع -من فلاح الى فلاح- لا يتمثل فقط في مجرد ورشات تدريبية بل هي ورشات نكتشف من خلالها الروح الجميلة والفكر الراقي والأخلاق السامية للأشخاص الذين نلتقي بهم في كل مرة. أكاد أجزم أنه ولابد أن تنبني علاقات إنسانية قوية أثناء كل مهمة، علاقات بين فريق مشروع من فلاح إلى فلاح وبين الخبراء المغاربة والأمريكيون من أجل هدف مشترك "خدمة التعاونيات الفلاحية المغربية". فتنجلي مع ذلك مهارة التواصل اللفظي و الروحي بين كل هذه الأطراف من أجل أداء مهمة واحدة، مهمة من فلاح إلى فلاح، إلا أنه سرعان ما تنتهي تلك اللحظات الساحرة فيتولد معها شعور الإشتياق، ثم نطمح جميعا من جديد "للقاء بعد اشتياق… !"

تعليقات الزوّار (0)