ورقة تقديمية لمحاضرة سيد القمني الجمعة في الأحداث المغربية: الحاجة إلى قراءة عقلانية لتراثنا الديني

الخميس 25 يونيو 2015
أسامة خيي
0 تعليق

AHDATH.INFO - البيضاء - خاص

أعد الورقة التقديمية: عبد العالي الدمياني

- 1 -
ليس من باب الاعتباط ولا التجني أن يصف المفكر المصري الكبير سيد القمني إسلامويي اليوم بـ«همج القرن الواحد والعشرين». وإلا، فأي توصيف يليق بما يقترفه تنظيم داعش الإرهابي، باسم الإسلام، من جرائم هي الحد المريع لكل ممارسة همجية لا تحمل أدنى حس إنساني. أي نعـت يوازي جـز الرؤوس وإحراق الآدميين أحياء أمام أنظار العالم في بشاعة طقوسية لا يمكن أن تنتمي إلا إلى عهود بدائية بائدة. أي تشخيص بإمكانه أن يمثّـل لهذا الجنون المستعــرّ في محو قرون من الترقي الحضاري والأخلاقي والمعرفي للإنسان بفظائـع تعيد الكائن البشري إلى ما قبل التاريخ.

والحال أن تنظيم داعش لا يجسد في العمق إلا سقف التطور الطبيعي للإسلام السياسي كما طرح نفسه منذ بروز الإخوان المسلمين نهاية عشرينيات القرن الماضي. والمسار الذي قطعته الجماعات الإسلاموية الخارجة من بطن هذا الغول الأصولي ترسم بجلاء مبيان تَـصَـعُّـد العنف في الخطاب والسلوك إلى أن أمكن التمكن من أسلحة الفتك والدمار والتكنولوجيات المتطورة والمسالك السالكة لعولمة تلتهم كل شيء، ليفجر محتسبة هذا الزمان من مهربين دينيين ومتاجرين بالإسلام كل نزوعات التدمير الكامنة في الفكرة الدموية: الحل هو الإسلام.

إن خروج التنظيم الإخواني من الغرف السرية للمخابرات البريطانية ونهله من أكثر الإيدويولجيات الإسلامية تشددا وقتامة: الوهابية، التي انشبك معها في نفس الأفق الماضوي الظلامي، تحكم في سيرورة الإسلام السياسي حتى انتهى به المطاف إلى الصورة البشعة التي لم يكن، حسب منطق الأشياء، إلا ليصير عليها اليوم. وقد رفدت هذا التطور شروطٌ موضوعية ساهمت فيها الأنظمة العربية بقسط وافر وهي تتواطأ مع هذه التنظيمات السرطانية، غاضة الطرف عنها أو راعية لها، خدمة لمصالحها دونما حسبان لما ينطوي عليه هذا الاحتضان من مهالك. والنتيجة الآن: مشهد عربي وإسلامي ينضح بالموت. ولن يعدم أحـدٌ شواهد تعمر هذا الكيان المأزوم من أقصاه إلى أقصاه. فحيثما وليت وجهك ثمة داعش وأشباه له في الإجرام الهمجي.

- 2 -
لقد أجمع أغلب مفكري النهضة والتنوير على أن أصل الاختلال في صناعة المأساة الأصولية كامن في شكل تعاطي الإسلام السياسي مع التراث الديني. وهو خزّان يكتنز الشيء ونقيضه في آن كما نبّه إلى ذلك المفكر العربي الكبير الراحل محمد عابد الجابري. إذ يكفي مد اليد إلى أحد المصنفات القديمة لتطفر الأجوبة الجاهزة طارحة نفسها أمام عقل استقال عن التفكير منذ إقبار عقلانية ابن رشد والتمكين لأصولية الغزالي في إبدال تاريخي أنهى مغامرة العقل العربي ودوائر اجتهاداته إلى مدارات الدروشة وحوزات الخضوع والكسل والشعوذة والتخريف.

إن الاستمداد الجاهز من التراث بعماء ينفي مقتضيات التطور التاريخي لا يمكن إلا ينتج مفارقات دونكيشوتية لا تضحك بقدر ما تعمق المأساة حين يصير الثمن هو الحياة. يكفي معاينة وقائع دموية ناشئة عن تطبيق أحكام الشريعة كما رشحت بها جرائم الجماعات الإرهابية التابعة للقاعدة في مالي، وفظائع إنزال الحدود بالعراق وسوريا من لدن تنظيم داعش، الذي يجسد أقصى وأقسى صور هذا الإسقاط الأعمى لأحكام الماضي على حاضر مختلف بشكل جذري، من خلال فكرة الخلافة. وسِـجلُّ بتر الأحكام من سياقها التاريخي وتطبيقها عسفيا على واقع آخر مختلف كليا، حافل بالمآسي من أفاعيل العجب الطالبانية إلى السلوكات الخرقاء لبوكو حرام بنيجيريا مرورا بسريالية مجازر الدولة السودانية المتأسلمة في الجنوب المسيحي والوثني قبل حيازة استقلاله.

إن شعار تطبيق الشريعة الإسلامية الذي رفعه المهربون الدينيون على مدار عقود من العنف والتمييز، ليعبر عن أبعاد هذا المنطق المقلوب. وهو علامة دالة عن إيدويولجيتهم القاضية بإقامة الدولة الإسلامية الموهومة، التي سبق لعلي عبد الرازق في كتابه التأسيسي «أصول الحكم في الإسلام»، أن دلل بالحجج والقرائن الدامغة على تهافت هذه الفكرة وألا وجود البتة لشيء إسمه دولة في مصادر التشريع الإسلامي. والحال أن منطق العماء الذي حكم النظر إلى التراث الديني باعتبار مكموليته وتمامية أحكامه بما يكفي المسلمين عن أي اجتهاد أو إضافة ليَـسنده هذا الخبث واللؤم اللذين يستغل بهما المشايخ والفقهاء الدين وطبيعة العلاقة التي تحكم الناس به. فالأصل في الفساد لا يسكن النظرة وحدها وإنما تفضحه نووزاع وأهواء تملك رقاب العباد ومفاتيح البلاد.

- 3 -
في مقابل هذا النزوع الارتكاسي الشوفيني الأعمى في التعاطي مع تاريخ الذات ومسائل الهوية، قدم تنويريو بلاد الإسلام منذ عصر النهضة إلى الآن مجهودات علمية ومعرفية جبارة لتجاوز كبوتهم التاريخية. ديدنهم إعمال مناهج حديثة وأدوات علمية مستلهمة مما أثمرته الحداثة الغربية في قراءة هذا التراث الضخم قراءة عقلانية وإعادة النظر في كل مناحيه من منطلق إحداث مسافة موضوعية معه. لذلك، كان علم التاريخ والمناهج اللغوية الحديثة من أبرز الأنساق التي تم الاشتغال بها، ولم يزل، على هذا المأثور الإسلامي، وهي المناهج العلمية التي فتحت الباب واسعا أمام أوروبا لتصنع حداثتها بيدها يوم طبقتهما على نصوصها الدينية.

إن أعلام التنوير العربي أكثر من أن يتم إحصاؤهم في هذه الأرضية، يكفي ذكر بعضهم مثل محمد عبده وطه حسين وعلي عبد الرازق ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد والطيب تيزيني وحسين مروة وهشام جعيط وسواهم كثير، لاستعادة هذه الصيرورة المثمرة من نقد التراث والدين، من موقع الانتماء إلى ثقافة العصر وقيمه، لتخليق نهوض حضاري جديد. على أن المتتبع للسجال المحتدم بين الأصوليين والتنويريين على مدار أكثر من قرن من الزمان لابد أن يلمس وضعا مخصوصا لمصر، صاحبة الريادة في النهضة والتحديث، وفي إثارة معارك الوجود بين من يجرون الوطن إلى هوة السقوط ومن يسعون لتخليصه من وهدة التخلف.

هذه الخصوصية تنسحب على وجوه التنوير بأرض الكنانة، الذين طبعوا، جيلا بعد آخر، المعركة بميسم خاص ودفع بعضهم حياته ضريبة لإشاعة نور المعرفة وكشف الحقيقة الغائبة. يحضر معنا اليوم أحد أبرز وأكثر المفكرين المصريين والعرب جرأة وشجاعة في تسمية الأشياء بمسمياتها، من المنافحين عن الفكرة الليبرالية والعلمانية والممارسين لنقد علمي للدين ولمن جعلوه أصلا تجاريا يتربحون منه، الأستاذ محمد سيد القمني، الذي تتشرف الأحداث المغربية وجمعية ضمير باستضافته اليوم هنا في هذا المنبر الذي لم يسلم من استهداف قوى الظلام له بطرود مفخخة حالت الألطاف الربانية دون أن تنفجر وتزهق أرواحا بريئة.

تعليقات الزوّار (0)