توج مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، برئاسة الأستاذ عبد السلام بوطيب، بجائزة ابن رشد للوفاق في دورتها الثالثة، خلال حفل احتضنته القاعة الموريسكية برئاسة جامعة قرطبة الإسبانية، بحضور شخصيات أكاديمية وحقوقية وثقافية من المغرب وإسبانيا.
ويأتي هذا التتويج اعترافاً بالمسار الذي راكمه المركز على مدى أكثر من عقدين في مجال تعزيز ثقافة الذاكرة، والدفاع عن قيم العدالة الانتقالية، وترسيخ مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوار بين الثقافات.
وفي كلمته بالمناسبة، أكد عبد السلام بوطيب أن هذا التكريم لا يمثل نهاية مسار، بقدر ما يشكل مسؤولية جديدة لمواصلة الدفاع عن القيم التي جسدها الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، وفي مقدمتها العقل في مواجهة التعصب، والحوار في مواجهة الخوف، والاعتراف المتبادل في مواجهة الإقصاء.
وأشار إلى أن تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب أظهرت أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل يمكن أن تتحول إلى رافعة لتعزيز التماسك الوطني وبناء مستقبل مشترك، مؤكداً أن الديمقراطية لا تُبنى بين المتشابهين، بل بين المختلفين القادرين على الاعتراف ببعضهم البعض رغم اختلافاتهم.
وأضاف أن العالم يعيش اليوم مرحلة تتسم بصعود الشعبويات والانغلاق الهوياتي وتنامي مشاعر الريبة بين الشعوب والثقافات، مما يجعل من ثقافة الوفاق والتعايش والتعددية ضرورة سياسية ومجتمعية وليست مجرد قيمة أخلاقية.
كما شدد على أن التحدي الحقيقي للقرن الحادي والعشرين لا يكمن فقط في تعلم التعايش، وإنما في القدرة على بناء مستقبل مشترك قائم على المعرفة والثقة والحرية والعدالة، مؤكداً أن أي ديمقراطية لا يمكن أن تستمر دون اعتراف متبادل، وأن أي سلام لا يمكن أن يدوم دون عدالة.
واعتبر بوطيب أن مدينة قرطبة، بما تمثله من إرث حضاري وإنساني، ما تزال تقدم للعالم درساً بالغ الأهمية مفاده أن الاعتراف بالآخر ليس تنازلاً، بل شرطاً من شروط الحرية ذاتها، وأن التنوع يمكن أن يتحول إلى قوة لبناء مجتمعات أكثر انفتاحاً وإنصافاً.
ويُعد مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم من أبرز المؤسسات المدنية المغربية العاملة في مجالات الذاكرة والعدالة الانتقالية والحوار بين الثقافات، حيث أطلق منذ تأسيسه العديد من المبادرات الوطنية والدولية الرامية إلى جعل الذاكرة رافعة للمصالحة والديمقراطية وبناء السلام.
واعتبر متابعون أن منح جائزة ابن رشد للوفاق للمركز يشكل اعترافاً دولياً بالدور الذي اضطلع به في ترسيخ ثقافة الاعتراف والعيش المشترك، وفي نقل التجربة المغربية في العدالة الانتقالية إلى فضاءات الحوار المتوسطي والدولي.









