بقلم الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لم تعد الأزمة التي يعيشها الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية مجرد اختلاف في المواقف أو تباين في الاجتهادات السياسية، بل أصبحت أزمة في طبيعة الخطاب نفسه، وفي الأدوات التي يُدار بها النقاش العمومي. فمن يتابع تصريحات عدد من قيادات الحزب، وعلى رأسهم أمينه العام الأستاذ عبد الإله بنكيران، يلاحظ أن الخطاب السياسي يتجه بشكل متزايد نحو الشعبوية والإثارة والاستقطاب، أكثر مما يتجه نحو إنتاج الأفكار أو تقديم البدائل أو بناء رؤية سياسية تستجيب لتحولات الدولة والمجتمع .
والسياسة في جوهرها ليست هي فن الخطابة والوعظ والإرشاد، وليست منافسة في إطلاق العبارات الساخرة أو الأوصاف الشعبوية الحادة، وإنما هي فن إدارة الاختلاف، وبناء الثقة، واحترام المؤسسات، وصناعة التوافقات. وكلما غابت هذه المعاني، تحولت السياسة إلى مجرد ممارسة شعبوية تبحث عن التصفيق الآني، ولو كان الثمن إضعاف منسوب الثقة في المؤسسات أو تسميم المجال العمومي.
مخاطبة العواطف
لقد كان من المتوقع، بعد أكثر من عقدين من المشاركة السياسية، وبعد تجربة طويلة في قيادة الحكومة، أن ينتقل الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية من لغة الوعظ والإرشاد إلى لغة الفكر السياسي، ومن مخاطبة العواطف إلى مخاطبة العقول، ومن استدعاء الشرعية الأخلاقية إلى تقديم الكفاءة العلمية والبرامج الواقعية. غير أن ما نلاحظه هو استمرار هيمنة أسلوب دعوي قديم على خطاب يفترض أنه خطاب حزب مدني يمارس السياسة داخل دولة دستورية حديثة .
فالوعظ له مجاله الطبيعي، وهو المسجد أو الفضاء التربوي، حيث يكون الهدف ترقيق القلوب وتقوية الوازع الأخلاقي. أما السياسة فلها منطق آخر، يقوم على تحليل الوقائع، وإدارة المصالح، وفهم موازين القوى، واحترام المؤسسات، والتفكير في المستقبل بمنهج علمي. وعندما تُدار السياسة بأدوات الوعظ، فإنها تتحول إلى تقسيم الناس بين صالحين وفاسدين، وبين أخيار وأشرار، بدلاً من أن تكون مجالاً للتدافع المشروع بين برامج ورؤى مختلفة.
ومن منظور المقاصد الشرعية، فإن حفظ الدولة واستقرار مؤسساتها من أعظم المصالح العامة. ولذلك لم يجعل الفقه الإسلامي الخلاف السياسي مبرراً لإهدار قيم الاحترام أو لإطلاق الأوصاف القدحية تجاه الأشخاص أو المؤسسات. فاللسان في الإسلام مسؤولية قبل أن يكون وسيلة للتعبير، والكلمة قد تبني الثقة وقد تهدمها، وقد تجمع الصف وقد تفرقه.
أوصاف قدحية
ومن هذا المنطلق، فإن توجيه أوصاف قاسية أو قدحية من قبل أمين عام حزب العدالة والتنمية إلى مستشاري جلالة الملك محمد السادس، لا ينسجم مع أخلاقيات العمل السياسي الرصين، ولا مع قيم ديننا الحنيف ولا مع ثقافة المملكة المغربية التي يفترض أن يؤمن بها كل حزب يمارس السياسة من داخل المؤسسات. فالاختلاف حق، والنقد حق، بل قد يكون واجباً، لكن النقد شيء، والتجريح الشخصي شيء آخر. والسياسي الذي يمتلك الحجة لا يحتاج إلى الإساءة، والذي يمتلك المشروع لا يلجأ إلى الإثارة.
لقد أصبح واضحاً أن جانباً مهماً من الخطاب الحزبي صار يشتغل بمنطق منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُقاس القيمة بعدد المشاهدات والتفاعلات، لا بعمق الفكرة أو قوة الحجة. فكلما ارتفع منسوب الإثارة، ارتفعت نسب الانتشار، حتى وإن كان ذلك على حساب جودة النقاش العمومي. وهذه الظاهرة لا تخص حزباً بعينه، لكنها تبدو أكثر حضوراً في خطاب بعض قيادات العدالة والتنمية، الذين أصبحوا يبحثون عن “اللحظة الإعلامية” أكثر من بحثهم عن إنتاج الفكر السياسي.
وقد عرف الرأي العام المغربي خلال السنوات الماضية أسلوباً متكرراً يقوم على السخرية من الخصوم، أو إطلاق التعليقات الساخنة، أو تحويل المناظرات إلى مشاهد يغلب عليها الانفعال. ولم يكن هذا الأسلوب مقتصراً على شخصية واحدة، بل ظهر لدى أكثر من قيادي داخل الحزب، الأمر الذي جعل كثيراً من النقاشات تتحول من حوار حول الأفكار إلى صراع حول الأشخاص.
انفعالات آنية
وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فالحزب الذي رفع شعار الإصلاح والإسلام هو الحل وجد نفسه، في كثير من الأحيان، يعيد إنتاج خطاب تعبوي يعتمد على الكاريزما الشخصية أكثر من اعتماده على المؤسسات الفكرية. بينما الأحزاب الديمقراطية الحديثة تُقاس بقدرتها على إنتاج الأفكار، وصياغة السياسات العمومية، وتكوين النخب، لا بقدرة زعيمها على إثارة الجدل وخلق الإثارة داخل مواقع التواصل الإجتماعي .
إن الدولة المغربية اليوم ليست هي مغرب التسعينيات ولا بداية الألفية. فقد شهدت إصلاحات دستورية ومؤسساتية كبرى، وتراكمت فيها خبرات سياسية وإدارية مهمة، وأصبحت تواجه تحديات معقدة في الاقتصاد والأمن والدبلوماسية والتنمية. وهذه التحديات تحتاج إلى خطاب سياسي بمستوى الدولة، لا إلى لغة تستعيد أجواء المهرجانات الخطابية أو الانفعالات الآنية.
ومن منظور فلسفة السياسة، فإن الدولة الحديثة تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص، وعلى احترام الاختصاصات لا على الشخصنة. ولذلك فإن نقد السياسات العمومية ينبغي أن ينصب على القرارات والخيارات والنتائج، لا أن يتحول إلى توزيع للأوصاف أو إصدار أحكام أخلاقية على المخالفين.
ثقة مجتمعية
كما أن الفكر المقاصدي يعلمنا أن المصلحة العامة لا تتحقق بإثارة الانقسام، وإنما ببناء الثقة المجتمعية. فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ومن أعظم المفاسد تحويل المجال السياسي إلى فضاء للتجريح المتبادل، لأن ذلك يضعف ثقة المواطن في الجميع، ويجعل السياسة تبدو مجرد ساحة للصراع الشخصي.
ومن المؤسف أيضاً أن الحزب الذي كان يضم أسماء فكرية وعلمية وازنة، عُرفت بالرصانة والهدوء والقدرة على الحوار، أصبح حضوره الفكري أقل تأثيراً من حضور الخطاب الشعبوي. فقد عرف الحزب شخصيات كانت تميل إلى النقاش الهادئ وإعمال العقل وتقديم الاجتهادات الفكرية والمقاصدية، وهو ما منح الحزب في مراحل معينة صورة أكثر توازناً. أما اليوم، فإن الصوت الأعلى غالباً ما يكون للصوت الأكثر إثارة، لا للفكرة الأكثر عمقاً.
إن السياسة ليست مسابقة في سرعة الردود، ولا في صناعة “الترند”، وإنما هي مسؤولية تاريخية أمام الوطن والأجيال القادمة. وكل خطاب يساهم في تأجيج الاستقطاب أو إضعاف هيبة المؤسسات أو تحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية، هو خطاب يحتاج إلى مراجعة، مهما كانت النوايا التي تقف وراءه.
من الانفعال إلى التحليل
ولا يمكن لأي حزب أن يجدد حضوره السياسي ما لم يجدد لغته أولاً. فاللغة ليست مجرد ألفاظ، بل هي انعكاس لطريقة التفكير. وعندما تبقى اللغة أسيرة ثنائية الواعظ والجمهور، فإنها تعجز عن إنتاج عقل سياسي قادر على فهم تعقيدات الدولة الحديثة.
لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب السياسي من منطق التعبئة إلى منطق التفكير، ومن ثقافة الزعيم الملهم إلى ثقافة المؤسسة، ومن الانفعال إلى التحليل، ومن الشعبوية إلى المسؤولية. فالدول لا تُبنى بالخطب المرتفعة النبرة، وإنما تُبنى بالعقول الهادئة، والبرامج الواقعية، والحوار المسؤول.
وليس المقصود من هذا النقد مصادرة حق أي حزب أو أي مسؤول سياسي في التعبير عن آرائه أو في معارضة السياسات العمومية، فالمعارضة ركن أصيل في النظام الديمقراطي، بل المقصود هو التمييز بين المعارضة التي ترتقي بالنقاش العام، والمعارضة التي تجعل من الإثارة غاية في ذاتها. فالمعارضة الرشيدة تنتقد القرار وتناقش الحجة وتقترح البديل، أما المعارضة الشعبوية فتختزل السياسة في المواجهة اللفظية واستقطاب الأنصار.
إن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، يواجه رهانات داخلية وخارجية دقيقة، تقتضي من مختلف الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة، الارتقاء بمستوى الخطاب، واحترام المؤسسات، وتغليب منطق الدولة على منطق الإثارة. فالوطن أكبر من الأحزاب، والدولة أبقى من الأشخاص، والتاريخ لا يتذكر من السياسيين من كان أكثر صخباً، بل من كان أكثر حكمة وإسهاماً في بناء الوطن.
إن الخطاب السياسي الذي يليق بالمغرب اليوم هو خطاب يجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الجرأة والاحترام، وبين النقد والبناء، وبين المقاصد الشرعية وفقه الدولة الحديثة. أما البقاء أسيراً لخطاب وعظي شعبوي يراهن على الإثارة أكثر من البرهان، فإنه لن يصنع مستقبلاً سياسياً جديداً، ولن يعيد ثقة المواطنين في العمل الحزبي، لأن زمن الكاريزما الخطابية قد ولى، وحل محله زمن الكفاءة، والمؤسسات، والعقل السياسي الرشيد.
