ثمة حقيقة لم يستطع التاريخ، على امتداد عصوره، أن ينقضها: فالأمم التي تمضي إلى الأمام تثير من الاعتراض بقدر ما تثير من الإعجاب، أما الأمم التي تستسلم للتراجع فلا تُقلق أحداً. فالنجاح لا يستدعي التقدير وحده، بل يوقظ أيضاً مشاعر الامتعاض لدى أولئك الذين جاءت الوقائع لتكذب رهاناتهم.
والمغرب يعيش اليوم هذه الحقيقة بكل أبعادها.
فكلما رسخت المملكة دعائم استقرارها، وعززت اقتصادها، ووسعت حضورها الدبلوماسي، ورسخت مكانتها جسراً استراتيجياً بين إفريقيا وأوروبا والفضاء الأطلسي والعالم العربي، عادت إلى الواجهة، بوتيرة تكاد تكون منتظمة، الحملات نفسها، والاتهامات ذاتها، والروايات نفسها، والمحاكمات الإعلامية ذاتها.
وليس المقصود من كثير من هذه الحملات، في الحقيقة، إثبات الوقائع بقدر ما هو ترسيخ الشك، وتحويل الريبة إلى مناخ عام، والإيحاء إلى وسيلة دائمة للتأثير.
غير أن المغرب حسم خياره منذ زمن. فبتوجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اختار الحركة بدل الجمود، والاستثمار بدل الانتظار، والانفتاح بدل الانغلاق، والسيادة الواثقة بدل الارتهان.
وليس غريباً، والحال هذه، أن تواجه كل أمة صاعدة مقاومةً من أولئك الذين أربكهم صعودها. فالنجاح يعيد رسم موازين القوى، ويغير خرائط النفوذ، ويزعج، بالضرورة، من ألفوا نظاماً قديماً واستكانوا إليه.
وثمة حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وإن كثيراً ما تُدفع إلى الهامش: فلا ازدهار مستدام بلا استقرار، ولا تنمية اقتصادية بلا أمن. فرؤوس الأموال تبحث عن اليقين، ورواد الأعمال يستثمرون في بيئة يسودها الاطمئنان، والمجتمعات لا تبني مستقبلها إلا حين تشعر بالأمن على حاضرها. فالاستقرار ليس ثمرة الازدهار، بل هو شرطه الأول.
وهنا تتجلى البنية الحقيقية للدولة.
فخلف المشاريع الكبرى، والإنجازات الاقتصادية، والطموحات الدبلوماسية، تقف مؤسسات صامتة تحرس أثمن ما تملكه الأمم: أمنها. وهي مؤسسات نادراً ما تتصدر المشهد، لكنها تجعل كل ما عداها ممكناً.
وينتمي عبد اللطيف حموشي إلى تلك الفئة النادرة من رجال الدولة الذين لا تُقاس أعمالهم بما ينجزونه تحت الأضواء، بقدر ما تُقاس بما يمنعونه في الظل من أخطار وأزمات.
فعلى مدى أكثر من عقدين، أسهم في جعل الأجهزة الأمنية المغربية مرجعاً يحظى بالتقدير والاحترام خارج حدود المملكة قبل داخلها. ويعرف شركاء المغرب في مختلف أنحاء العالم مهنيته العالية، وانضباطه، وصرامته، وإخلاصه العميق لمفهوم الدولة. ولم تُبن هذه المكانة بالدعاية ولا بحملات التواصل، وإنما صنعتها سنوات طويلة من العمل الصامت، والنتائج الملموسة، والتعاون الأمني الذي أسهم في حماية أرواح داخل المغرب وخارجه.
فلماذا، إذن، هذا الإصرار على استهداف الرجل؟
لأن ما يصمد، وما يبعث على الثقة، وما يجسد استمرارية الدولة، يصبح، في الغالب، هدفاً لحملات لا تقل شراسة عن حجم ما يمثله. فحين يُستهدف رجل، قد يكون المستهدف في الحقيقة مؤسسة؛ وحين تُستهدف مؤسسة، فقد يكون المقصود نموذجاً كاملاً للاستقرار والسيادة.
ولا خلاف في أن من حق الرأي العام أن يناقش عمل أجهزة الاستخبارات، بل إن ذلك جزء من مقتضيات الدولة الحديثة. غير أن النقاش الجاد لا يقوم على الظنون، ولا على الإيحاءات، ولا على تكرار الادعاءات، وإنما يقوم على الوقائع، والأدلة، والنزاهة الفكرية التي تميز بين التحقيق المهني وصناعة الاتهام.
وحين تتحول الشائعات إلى حقائق مزعومة، وتُرفع الريبة إلى مرتبة اليقين، فإن بعض الحملات لا تنتهي إلى إضعاف من تستهدفهم، بقدر ما تنتهي إلى تقويض صدقيتها هي.
فالجدل الإعلامي ابن اللحظة، أما مؤسسات الدول فتنتمي إلى الزمن الطويل.
ولم يسع عبد اللطيف حموشي يوماً إلى الشهرة، بل اختار ولاءً أشق وأسمى: الولاء للدولة.
ولعل هذا الثبات هو الذي أكسبه احترام المغاربة، وتقدير شركاء المملكة عبر العالم، وهو نفسه ما يفسر، في المقابل، حدة الحملات التي تستهدفه، لأن صلابة المؤسسات كثيراً ما تزعج من يراهنون على إضعافها.
إن كبار خدام الدولة يكتبون أسماءهم بطريقة مختلفة. فهم لا ينتظرون التصفيق، ولا يبحثون عن الأضواء، لأن مكافأتهم الحقيقية تكمن في بقاء المؤسسات التي خدموها قوية، وفي الثقة التي يورثونها لأوطانهم.
أما التاريخ، فإنه، في نهاية المطاف، ينصف الرجال، ويعيد لكل ذي قدرٍ قدره.
