أكد الدكتور أحمد الدافري، الخبير في الثقافة والفنون وقضايا التوثيق، أن الفنون الشعبية المغربية ليست مجرد تعبيرات فنية أو احتفالية، بل تمثل ذاكرة جماعية وسجلاً تاريخياً يعكس الهوية المغربية وتنوعها الثقافي، مشدداً على ضرورة تعزيز آليات التوثيق والحماية القانونية لضمان استمرارية هذا التراث ونقله إلى الأجيال القادمة.
وأوضح الدافري في مداخلة له على قناة ميدي 1 تيفي أن خصوصية الفنون الشعبية المغربية تنبع من ارتباطها الوثيق ببيئتها المحلية، إذ تستمد عناصرها من الأرض والطبيعة والإنسان، سواء في السهول أو الجبال أو الأودية، وتعكس تفاصيل الحياة اليومية لسكان هذه المناطق. وأضاف أن هذه الفنون تقوم على الطابع الجماعي، حيث يشارك الجميع في الطقوس الاحتفالية دون وجود فاصل بين المؤدين والجمهور، مما يمنحها بعداً اجتماعياً يعزز قيم التضامن والانتماء.
وأشار إلى أن هذه الفنون تختزن في طياتها ذاكرة تاريخية غنية، توثق للأحداث والمعارك والبطولات والتنقلات التي عرفتها القبائل المغربية عبر التاريخ، وهو ما يمنحها قيمة جمالية وإبداعية، ويجعلها مرآة تعكس عمق الهوية الوطنية وأصالتها.
وفي حديثه عن البعد الاقتصادي، أبرز الدافري أن الصناعات الثقافية أصبحت تشكل رافعة مهمة للتنمية، موضحاً أن مساهمتها في الناتج الداخلي الخام تبلغ نحو 2.4 في المائة وفق المعطيات المسجلة خلال الفترة ما بين 2024 و2026. وأضاف أن الفنون الشعبية والصناعات الثقافية المرتبطة بها تساهم بما يقارب 1.3 مليار درهم، كما توفر حوالي 3.7 وظائف مقابل كل استثمار بقيمة مليون درهم.
وأكد أن الأثر الاقتصادي للفنون الشعبية لا يقتصر على العروض الفنية، بل يمتد إلى منظومة واسعة تضم المهرجانات والحرف التقليدية وصناعة الأزياء والآلات الموسيقية، مثل الرباب والوتار، إلى جانب مساهمة الجمعيات والمؤسسات، تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في دعم هذه الصناعات والحفاظ على استمراريتها.
وفي ما يتعلق بتحديات التوثيق، حذر الدافري من ضياع جانب مهم من التراث الشفهي، مستشهداً بشعراء القول الشفهي في منطقة الريف، ومن بينهم “إيمدياذن”، الذين قد تضيع أعمالهم بوفاتهم إذا لم يتم تدوينها وتسجيلها. وأوضح أن الكثير من الفنون الشعبية تعتمد على الارتجال والعفوية، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للاندثار في غياب مشاريع علمية للتوثيق والأرشفة.
ودعا إلى تطوير آليات حفظ النصوص والأداءات الفنية في سجلات أرشيفية، مع تشجيع البحث الأكاديمي والدراسات الجامعية المتخصصة، حتى يصبح هذا التراث مكوناً أساسياً في بناء الهوية الثقافية المغربية وتعزيز حضورها.
وفي الجانب التشريعي، شدد الدكتور أحمد الدافري على أهمية الانتقال من مجرد مواكبة الفنون الشعبية إلى اعتماد رؤية استراتيجية تقوم على البحث في جذورها التاريخية وأبعادها الإنسانية والجمالية، بما يساهم في الارتقاء بالذوق الفني وصون هذا الموروث.
كما نوه بالمجهودات التي بذلتها المملكة في هذا المجال، مبرزاً أن القانون رقم 33.22 وفر إطاراً قانونياً لحماية عناصر التراث الثقافي، بما يشمل النصوص والأزياء والإكسسوارات والأدوات والسرود وغيرها من مكونات الفنون الشعبية، بما يحد من أي محاولات للسطو أو الاستغلال غير المشروع.
وختم الدافري بالتأكيد على أن الرهان اليوم يتمثل في مواصلة تطوير منظومة الحماية والتوثيق، حتى تظل الفنون الشعبية المغربية رصيداً حضارياً حياً، يجمع بين حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز مساهمة الثقافة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
