يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة اختار أن يدخل الاستحقاقات التشريعية المقبلة بأوراق تجمع بين الحفاظ على جزء كبير من نواته الانتخابية والتنظيمية، وبين فتح المجال أمام أسماء جديدة، في وقت تكشف فيه لائحة الترشيحات عن حضور قوي للوجوه التي راكمت تجربتها السياسية داخل الحزب وخاضت باسمه استحقاقات سابقة.
المعطى الأبرز في هذا السياق أن 58 في المائة من المرشحين تدرجوا داخل هياكل الأصالة والمعاصرة وسبق لهم خوض تجارب انتخابية بألوانه، وهي نسبة تعكس توجها نحو تثمين المسار التنظيمي عند توزيع التزكيات، بدل جعل الانتخابات مناسبة لإعادة تشكيل الخريطة البشرية للحزب من نقطة الصفر.
ويحمل هذا الاختيار دلالة خاصة بالنسبة إلى البام، الذي ظل موضوع الاستقطابات واحدا من أكثر الملفات حضورا في النقاش الذي رافق مساره السياسي. فالحزب الذي نجح خلال مراحل مختلفة في استقطاب منتخبين وأطر وشخصيات قادمة من مشارب سياسية ومهنية متعددة، أصبح اليوم، بعد سنوات من الحضور داخل البرلمان والجماعات الترابية والحكومة، يتوفر على جيل من الأسماء التي بنت تجربتها السياسية داخله.
وهذا ما يجعل انتخابات 2026 مختلفة بالنسبة إلى الحزب. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالبحث عن المرشح الأكثر قدرة على المنافسة داخل الدائرة، بل أيضا بالحفاظ على الرصيد الذي صنعه التنظيم خلال السنوات الماضية، ومنح فرصة جديدة لأسماء خبرت العمل الحزبي والانتخابي وراكمت معرفة بالميدان وبطبيعة المنافسة.
وبقراءة تركيبة الترشيحات، يظهر أن قيادة الحزب تحاول تفادي خيارين متناقضين: الأول يقوم على إعادة تدوير الوجوه نفسها دون تجديد، والثاني يعتمد على استقطاب أسماء جديدة على حساب الأطر التي اشتغلت لسنوات داخل التنظيم. وبين الخيارين، يتجه البام إلى صيغة تمنح الأغلبية لأصحاب التجربة الحزبية، مع ترك مساحة للوافدين الجدد والكفاءات التي يمكن أن تعزز حضوره الانتخابي والسياسي.
فوجود 58 في المائة من المرشحين ممن سبق لهم المرور من تجربة تنظيمية وانتخابية داخل الحزب يعني أن أكثر من نصف العرض الانتخابي للبام يمتلك مسبقا معرفة بالتنظيم وقواعده وطريقة اشتغاله، كما يعني أن جزءا مهما من هؤلاء لم يظهر مع اقتراب موعد الاقتراع، وإنما راكم حضوره عبر محطات سياسية وانتخابية سابقة.
ولا يلغي هذا التوجه سياسة الانفتاح على الأسماء الجديدة. فالأحزاب السياسية لا تستطيع بناء مستقبلها بالاكتفاء بمن يوجدون داخلها، كما أن استقطاب الأطر والكفاءات يظل جزءا من دينامية العمل السياسي وتجديد النخب. غير أن الاختلاف يكمن في ألا يتحول الاستقطاب إلى بديل عن أبناء التنظيم، وإنما إلى إضافة إلى رصيد موجود أصلا.
وتبرز ضمن هذا التوجه أسماء جدد الحزب الثقة فيها بعدما راكمت تجربتها السياسية داخله، ومن بينها نجوى كوكوس، التي بدأت تجربتها السياسية داخل الأصالة والمعاصرة وتدرجت في عدد من هياكله ومسؤولياته، قبل أن تصبح من الوجوه البارزة في الحزب.
وحالة كوكوس ليست مهمة فقط باعتبارها اسما ضمن لائحة المرشحين، بل لأنها تعكس المسار الذي تحاول الأحزاب تكريسه حين تربط التقدم السياسي بالعمل داخل التنظيم. فمن الطبيعي أن يبحث الحزب عن أسماء قادرة على الفوز، لكن من الطبيعي أيضا أن يمنح أعضاءه إمكانية الانتقال من المسؤولية التنظيمية إلى التمثيل الانتخابي، حتى لا تتحول الهياكل الحزبية إلى مجرد فضاء لإدارة الحملات لفائدة مرشحين يتم استقدامهم مع كل استحقاق.
وتبدو هذه المسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى البام وهو يدخل مرحلة سياسية جديدة بعد سنوات من المشاركة في تدبير الشأن العام. فالحزب لم يعد أمام تحدي إثبات وجوده داخل الخريطة الحزبية، وإنما أمام تحدي تثبيت هذا الوجود وتحويله إلى تراكم تنظيمي قادر على الاستمرار وإنتاج قيادات ومنتخبين جدد.
ومن هنا، يمكن قراءة نسبة 58 في المائة باعتبارها مؤشرا على انتقال جزء من النقاش داخل الحزب من سؤال استقطاب المرشحين إلى سؤال صناعة المرشحين. والفرق بين الأمرين كبير، لأن الاستقطاب يمنح الحزب اسما جاهزا لخوض الانتخابات، بينما يحتاج تكوين إطار حزبي إلى سنوات من العمل والاحتكاك بالمواطنين وتحمل المسؤولية واكتساب الخبرة.
لكن الرهان على التدرج لا يخلو بدوره من تحديات. فالأقدمية داخل الحزب لا يمكن أن تكون وحدها جواز مرور نحو البرلمان، تماما كما أن الجاهزية الانتخابية لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد. وبين الاثنين تبرز الكفاءة والمصداقية والحضور داخل الدائرة والقدرة على الترافع والتشريع وممارسة الرقابة باعتبارها العناصر التي تمنح للتزكية معناها السياسي.
لذلك، سيكون التحدي بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة هو تحويل هذا التوجه إلى قاعدة واضحة في تدبير النخب، بما يجعل العمل داخل الحزب طريقا ممكنا نحو المسؤولية، دون إغلاق الباب أمام الكفاءات التي تلتحق به وتستطيع تقديم إضافة حقيقية.
وفي المحصلة، يدخل البام الاستحقاقات المقبلة بخليط يجمع بين أصحاب التجربة والوجوه الجديدة. غير أن الرقم الذي يستوقف الانتباه يظل هو 58 في المائة، لأنه يكشف أن الأغلبية جاءت هذه المرة من داخل المسار الذي بناه الحزب خلال السنوات الماضية.
وإذا كانت صناديق الاقتراع ستحدد في النهاية مدى نجاح الأسماء التي اختارها الأصالة والمعاصرة، فإن تركيبة الترشيحات تكشف منذ الآن عن رهان آخر يخوضه الحزب بالتوازي مع المعركة الانتخابية: الانتقال من حزب يجيد استقطاب النخب إلى حزب يريد أن يثبت أنه قادر أيضا على إنتاجها.
