الرعاية الملكية السامية والإشعاع الوطني لم يشفعا لتظاهرة صنعت هوية فنية للعاصمة الإسماعيلية ورسخت مكانتها كموعد سنوي للدراما المغربية
ليست كل التظاهرات الثقافية مجرد موعد عابر في الأجندة الفنية، فهناك مشاريع تتحول مع مرور السنوات إلى مؤسسات قائمة بذاتها، تكتسب شرعيتها من استمراريتها، ومن قدرتها على خدمة الثقافة الوطنية، وصناعة الإشعاع، وتقديم الإضافة الحقيقية للمشهد الإبداعي. ومن هذا الصنف، يبرز مهرجان مكناس للدراما التلفزية، الذي استطاع، على امتداد خمسة عشر عاماً، أن يفرض نفسه باعتباره التظاهرة الوحيدة من نوعها على الصعيد الوطني، وأن يجعل من العاصمة الإسماعيلية فضاءً سنوياً للنقاش حول واقع الدراما المغربية ومستقبلها.
غير أن هذا المشروع الثقافي الوطني وجد نفسه اليوم أمام منعطف يثير كثيراً من علامات الاستفهام، بعد رفض مجلس جماعة مكناس المصادقة على الاتفاقية التي تربطه بالجمعية المنظمة للمهرجان، في خطوة اعتبرها كثير من المتابعين غير منسجمة مع المكانة التي بلغتها هذه التظاهرة، ولا مع الرصيد الذي راكمته منذ تأسيسها.
لقد نجحت جمعية العرض الحر، بقيادة الفنان محمود بلحسن، في تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع وطني متكامل، صمد في وجه الصعوبات التنظيمية والمالية، واستطاع، سنة بعد أخرى، أن يكسب ثقة المؤسسات والشركاء، وأن يحافظ على مستوى تنظيمي مكنه من الاستمرار والتطور، حتى أصبح موعداً ينتظره الفنانون والمنتجون والمخرجون والنقاد والإعلاميون من داخل المغرب وخارجه.

ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل تراكمي طويل، جعل مهرجان مكناس للدراما التلفزية فضاءً لتقييم الإنتاجات الوطنية، ومنصة للنقاش المهني حول مستقبل الصناعة التلفزية المغربية، وساهم، من خلال ندواته ولقاءاته، في بلورة عدد من الأفكار والتوصيات التي كان لها أثر في تطوير القطاع، كما شهد بذلك عدد من المهنيين والمنتجين.
ولعل أكبر دليل على المكانة التي بلغها المهرجان، الرعاية الملكية السامية التي حظي بها لسنوات متتالية، وهي رعاية لا تُمنح إلا للتظاهرات التي أثبتت جديتها وقيمتها، فضلاً عن الدعم الذي يتلقاه من مؤسسات وطنية كبرى، من بينها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، والقناة الثانية، إضافة إلى اهتمام عدد من القنوات العربية والمؤسسات الإعلامية الدولية، وهو ما منح مدينة مكناس إشعاعاً ثقافياً وإعلامياً لا توفره إلا التظاهرات الكبرى.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى ما عاشته المدينة في السابق، بعدما فقدت المهرجان الوطني للمسرح، الذي انطلق من مكناس قبل أن ينتقل إلى مدينة أخرى. واليوم، يجد كثير من الفاعلين أنفسهم أمام مخاوف حقيقية من تكرار السيناريو نفسه مع مهرجان الدراما التلفزية، بما يعنيه ذلك من خسارة لتظاهرة أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية للعاصمة الإسماعيلية.
واللافت في هذا الملف أن قرار عدم المصادقة على الاتفاقية يأتي في مقابل استمرار دعم أنشطة وتظاهرات أخرى، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول ضرورة اعتماد معايير موضوعية وشفافة في توزيع الدعم العمومي، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية، انسجاماً مع مبادئ الحكامة الجيدة والتوصيات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات بشأن آليات تتبع وتقييم الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي.
إن الدفاع عن مهرجان مكناس للدراما التلفزية لا يتعلق بالدفاع عن جمعية أو أشخاص، بل بالدفاع عن مشروع ثقافي وطني راكم تجربة تمتد لخمسة عشر عاماً، ونجح في أن يمنح مدينة مكناس مكانة خاصة داخل الخريطة الثقافية المغربية. فالمهرجانات لا تُقاس فقط بحجم الدعم الذي تتلقاه، بل بما تتركه من أثر، وبقدرتها على صناعة الصورة، وتحريك الاقتصاد الثقافي، وخلق فضاء للحوار والإبداع.

واليوم، يبدو السؤال أكبر من مجرد اتفاقية دعم: هل يُعقل أن يصبح مشروع وطني، يحظى بالرعاية الملكية السامية، ويجمع كبار الفاعلين في قطاع الدراما المغربية، مهدداً بالتراجع بعد كل هذا المسار؟ وهل من مصلحة مدينة مكناس، التي فقدت في السابق إحدى أبرز تظاهراتها المسرحية، أن تخسر أيضاً موعدها الوطني الأبرز في مجال الدراما التلفزية؟
إن الحفاظ على هذا المهرجان ليس انتصاراً لجمعية منظمة، بل انتصار لمدينة، وللثقافة المغربية، ولمشروع أثبت، على مدى خمسة عشر عاماً، أنه قادر على الاستمرار، وعلى التطور، وعلى تمثيل المغرب فنياً وإعلامياً بما يليق بمكانته.
