تسريبات أطلس هاكرز…تخرج جيراندو من وهم النضال إلى مستنقع الجريمة المنظمة

بواسطة الأربعاء 5 أغسطس, 2026 - 14:10

لطالما شكل الفضاء الرقمي في عصرنا الحالي ملاذا آمنا للعديد من الباحثين عن أمجاد وهمية من قبيل اليوتيوبر النصاب هشام جيراندو، حيث وفرت له منصات التواصل الاجتماعي منصة مثالية لارتداء قفازات النظافة وادعاء محاربة الفساد والدفاع عن حقوق المظلومين.

وفي هذا السياق، برز هذا النصاب في البداية كصانع محتوى افتراضي يقتات على استعطاف الجماهير ودغدغة مشاعرهم بعبارات رنانة وخطابات شعبوية. غير أن التاريخ علمنا دائما أن حبل الكذب قصير، وأن الأقنعة، مهما بلغت جودتها، لا بد أن تسقط عند أول اختبار حقيقي. وهذا السقوط المدوي هو ما نتابعه اليوم بتفاصيله الصادمة في قضية اليوتيوبر هشام جيراندو، الذي تحول بين ليلة وضحاها من “مناضل افتراضي” إلى زعيم مشتبه به لشبكة إجرامية دولية معقدة، تتجاوز جرائمها حدود الابتزاز لتصل إلى مستنقع الاتجار بالبشر وغسيل الأموال.

إن التسريبات المزلزلة التي كشفت عنها أخيرا سلسلة “أطلس هاكرز” لم تكن مجرد خدش في صورة هذا الشخص، بل كانت نسفا كاملا لأسطورة بناها على حساب آلام الناس وأسرارهم، حيث وضعت هذه التسجيلات الرأي العام أمام مرآة الحقيقة البشعة، تبين من خلالها أن الفيديوهات التي كانت تُسوَّق على أنها كشف للحقائق وفضح للفساد، لم تكن في جوهرها سوى أسلحة دمار شامل تُشهر في وجه الضحايا لابتزازهم واستنزاف أموالهم.

ونحن هنا لسنا أمام معارض للرأي أو منتقد للسياسات، بل أمام عقل مدبر لـ “مقاولة إجرامية” تستخدم يوتيوب كواجهة لتمرير صفقات مشبوهة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول حجم الضحايا الذين رضخوا لهذا الابتزاز في صمت خوفا من التشهير.

تشريح آلية الابتزاز: التشهير كأداة لجمع الثروة

لفهم حجم الكارثة الأخلاقية والقانونية التي كشفتها هذه التسريبات، يجب التوقف عند التفاصيل الدقيقة لقضية تاجر المخدرات رضى العمدي، حيث تبدأ القصة بمحاولة يائسة من والدة العمدي لحماية سمعة أبنائها من مقصلة التشهير الرقمي، لتتطور الأمور لاحقا إلى تواصل مباشر بين العمدي والوسيط رشيد الراضي، المعروف بـ “رشيد الصحراوي”. هذا التواصل لم يكن بحثا عن الحقيقة، بل كان مفاوضات صريحة ومباشرة لشراء الصمت، في وقت أظهرت التسجيلات كيف توسل العمدي، الذي خرج حديثا من السجن، طالبا حذف الفيديوهات التي تستهدفه، مؤكدا أن الاتهامات باطلة وأن استمرار نشرها يدمر حياة عائلته وأبنائه.

في تلك اللحظة المفصلية، رتب الوسيط مكالمة مباشرة مع جيراندو، الذي حاول إضفاء هالة من الغموض على نفسه بادعائه التواجد في منطقة الكاريبي بعد مغادرته كندا، وبدل أن يستمع “المناضل المزعوم” لمظلمة بارون المخدرات، جاء رده باردا، حاسما، ويقطر جشعا، حين قال بعبارة صريحة لا تقبل التأويل: “غادي تساهم بحالك بحال خوتك”. هذه الجملة القصيرة تلخص المنهجية الإجرامية للرجل؛ فهو يعترف ضمنا بوجود “إخوة” آخرين، أي ضحايا سابقين تم حلب أموالهم بالطريقة ذاتها. وعلاوة على ذلك، تبجح جيراندو بامتلاكه معطيات خطيرة إضافية، معتبرا أن الضحية كان محظوظا بتواصله معه قبل فوات الأوان، في مشهد يجسد أبشع صور السادية الرقمية والمساومة على الشرف والسمعة مقابل مبالغ مالية يتم تحديدها عبر وساطة دنيئة.

عولمة الجريمة: تقاطع الابتزاز مع الاتجار بالبشر

إذا كان الابتزاز المالي جريمة يعاقب عليها القانون بشدة، فإن المنعطف الأكثر خطورة ورعبا في هذه التسريبات هو الوجهة التي تُضخ فيها هذه الأموال القذرة، فلقد أسقط جيراندو بلسانه آخر أوراق التوت حين برر مطالبته المالية بتلك الأموال الطائلة، كاشفا أنه يستخدمها لتمويل عمليات الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر. لقد تحولت عائدات التشهير وابتزاز بارونات المخدرات إلى رأسمال يغذي شبكات التهريب البشري، حيث اعترف بتنظيم رحلات سرية لفائدة مواطنين مغاربة وسوريين انطلاقا من الأراضي التركية في اتجاه الفردوس الأوروبي الموهوم.

هذا الاعتراف الصريح ينقل الملف من مجرد قضايا سب وقذف أو تشهير إلكتروني محلي، إلى جريمة عابرة للقارات تصنف ضمن أشد الجرائم خطورة في القانون الدولي، فالمطالبة باقتطاع نسب من عائدات تجارة المخدرات لتمويل قوارب الموت، يوضح كيف تتقاطع المصالح الإجرامية في نقطة واحدة. وهنا يتجلى الوجه الحقيقي لجيراندو، ليس كصانع محتوى، بل كحلقة وصل خطيرة بين أموال المخدرات وتجارة البشر، مستغلا مآسي السوريين الهاربين من ويلات الحرب، وطموحات الشباب المغاربة الباحثين عن غد أفضل، ليصنع لنفسه ثروة تعمدت بدماء وأحلام هؤلاء الضحايا في أعالي البحار.

الوسيط المتجرد من الهوية وضرورة التدخل القضائي الحاسم

لا تكتمل صورة هذه المافيا الرقمية دون تسليط الضوء على الدينامو المحرك لها على الأرض، وهو الوسيط رشيد الراضي، وهو الشخص الذي لم يكن مجرد ناقل للرسائل، بل كان العين التي يرى بها جيراندو ضحاياه، حيث أظهرت المحادثات المسربة أن الراضي كان يتولى مهام الاستخبارات الميدانية، حيث يرصد الأهداف، يجمع أدق التفاصيل عن حياتهم ومحيطهم، ويزود بها رئيسه لتُحول إلى قذائف تشهيرية في الفيديوهات. ولم يقف جشع هذا الوسيط عند هذا الحد، بل اقترح توسيع دائرة الابتزاز لاستهداف “رؤوس كبيرة” وملفات أضخم، بهدف جمع ثروة تصل إلى مليار سنتيم قبل نهاية العام، مما يعكس عقلية عصابات منظمة لا تعترف بأي حدود أخلاقية.

أما المستوى الأكثر انحطاطا في شخصية هذا الوسيط، فقد تجلى في استعداده التام للتجرد من كل انتماء وطني أو إنساني مقابل النجاة بغنيمته، حيث طلب من جيراندو مساعدته في الحصول على لجوء سياسي أو إنساني خارج المغرب بأي ثمن، مبديا استعداده لبيع منزله ومقهاه التجاري، بل ووصل به الانحطاط إلى حد إعلان استعداده لقبول “الجنسية الإسرائيلية” إذا كان ذلك سيضمن له الهروب والإفلات من العقاب. إن هذا المستوى من الاستلاب والانتهازية يؤكد أننا نتعامل مع مرتزقة لا يربطهم بالوطن سوى ما يمكنهم ابتزازه من أبنائه.

وفي الختام، إن ما وضعته تسريبات “أطلس هاكرز” بين أيدينا ليس مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي، بل هو بمثابة إخبار رسمي وموثق بوقوع جرائم بالغة الخطورة. إن هذه المعطيات الدامغة تفرض على السلطات القضائية في المغرب التحرك العاجل والفوري، بالتنسيق الكامل مع نظيراتها في كندا، وتركيا، ومنظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول). لقد أصبح من الضروري فتح تحقيق جنائي دولي موسع لتفكيك هذه الشبكة، وتجفيف منابع تمويلها، وإصدار مذكرات توقيف دولية في حق كل من تورط في الابتزاز، وجمع المعلومات الاستخباراتية بشكل غير قانوني، وتسهيل الاتجار بالبشر. إن حماية المجتمع من هذا الإرهاب الرقمي لم تعد خيارا، بل هي واجب وطني وإنساني لوضع حد لمن جعلوا من أعراض الناس ومآسيهم تجارة رائجة في أسواق الإنترنت السوداء.

آخر الأخبار

دخول أزيد من 2,7 مليون من مغاربة العالم منذ انطلاق عملية "مرحبا 2026"
أكد المسؤول عن المشاريع والمشرف على عملية “مرحبا” بمؤسسة محمد الخامس للتضامن، عمر موسى عبد الله، أن عدد المغاربة المقيمين بالخارج الذين دخلوا إلى المملكة، إلى غاية 3 غشت الجاري، بلغ أكثر من 2,74 مليون شخص بزيادة بلغت 0,45 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. وأوضح موسى عبد الله، الذي حل ضيفا […]
وزيرة الهجرة الإسبانية: لولا تعاون المغرب لما كان بالإمكان تقديم استجابة استثنائية خلال أزمة سبتة
أكدت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة والمتحدثة باسم الحكومة الإسبانية، إلما سايث، على أهمية التعاون المغربي خلال تدبير أزمة سبتة المرتبطة بموجة هجرة غير مسبوقة، مؤكدة أنه لولا هذا التعاون لما كان بالإمكان تقديم “استجابة استثنائية بهذا المستوى” لمواجهة حالة الطوارئ.  وأوضحت المتحدثة أن الحكومة الاسبانية  خصصت 25 مليون يورو إضافية لمدينة سبتة المحتلة من […]
تأجيل محاكمة المتابعين في ملف "إسكوبار الصحراء" استئنافيا
قررت غرفة الجنايات الاستئنافية بالدارالبيضاء تأجيل ملف ما بات يعرف إعلاميا بقضية (إسكوبار الصحراء) التي يتابع فيها كل من سعيد الناصيري وعبد النبي البعيوي، وذلك إلى غاية 26 غشت الجاري من أجل إعداد الدفاع.ومثل المتهمون المتابعون في هذه القضية، وعلى رأسهم سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد البيضاوي، وعبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، […]