سجال أصحاب السعادة في البرلمان الإسباني.. حين تخترق إهاناتهم حواجز اللغة

بواسطة السبت 5 سبتمبر, 2026 - 13:38

بقلم مصطفى أمادي (كاتب ومترجم)

إن النقاش البرلماني الذي شهده مجلس النواب بالأمس بشأن ما جرى يومي 30 و31 يوليوز، داخل المبنى الذي تحرسه رمزيا أسوده الشهيرة، التي يُفترض، بحسب قولهم، أنها سُبكت من برونز مدافع حرب تطوان، يقتضي أكثر من مجرد تصريحات متسرعة؛ فهو يستوجب تقديم الأدلة، وتوخّي الدقة والصرامة في استعمال الألفاظ، وقبل كل شيء، التحلي بالمسؤولية السياسية.

إن الحديث عن الهجرة حديث عن واقع إنساني وسياسي واجتماعي بالغ التعقيد؛ ولذلك تحديدا تكتسي كل الكلمات والعبارات أهمية قصوى، ولا سيما حين تصدر عن منبر مؤسساتي.

في هذا السياق، لم تكن ألفاظ اللغة القشتالية يوما بريئة ولا بمنأى عن تداعياتها. فإذا استعملت بحكمة وبالنبرة الملائمة، أمكنها أن تسهم في فهم ما جرى واستجلاء حقيقة الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة؛ وعلى النقيض من ذلك، قد تفضي إلى نتائج عكسية. وهذا تحديدا ما حدث بالأمس، إذ إن بعض العبارات، بما صاحبها من نبرة، غذّت التوتر وأجّجت المواجهة، متجاوزة حواجز اللغة وحدودها، وزادت من تعقيد أزمة الهجرة، وهي أزمة بالغة التعقيد أصلا بحكم طبيعتها.

في قضية على هذا القدر من الحساسية، كان ينبغي للخطاب السياسي أن يكون أداة للشرح والتوضيح، لا لإشعال التوتر، ولا لتوجيه الإهانات أو مضاعفة أوجه الإساءة. إن علاقتنا بإسبانيا، بصرف النظر عن أي اعتبار سياسي، ينبغي أن تقوم على حسن الجوار والاحترام المتبادل. وقبل كل شيء، يتعين صون كرامة المهاجرين والأشخاص في وضعية تنقّل، فهم جديرون بما هو أفضل من الإهانات والاتهامات والجوع والشعارات العنصرية.

لقد قيل الكثير بالأمس في مجلس النواب في سياق هذه الحملة الموجّهة ضد المملكة المغربية الشريفة، إذ ذهب جلّ البرلمانيين إلى تصوير ما حدث على أنه «هجوم وحرب هجينة»، محمّلين المغرب مسؤولية ما جرى. فمن فييخو إلى أباسكال ومن سار على نهجهما، مرورا ببرلمانيات وبرلمانيين آخرين لا تسهم مواقفهم في تعزيز العلاقات الطيبة بين الدول من الذين يجدون أنفسهم جميعا، بالمناسبة، في موقع مريح داخل المعارضة، تعددت الاتهامات، ومع ذلك، لم يتساءل أحد منهم عمّا يمكن أن يكون المغرب قد جناه من أزمة غير مسبوقة كهذه، اندلعت في خضم احتفالات عيد العرش، بحضور آلاف المدعوين، وفي يوم يكتسي رمزية خاصة بالنسبة إلى مملكتنا.

أدّى الانفلات والفوضى اللذان طبعا جلسة المساءلة البرلمانية بالأمس إلى انتقال الاتهامات من المغرب إلى إسرائيل، ثم إلى الولايات المتحدة، بل وإلى الطرفين معا أحيانا، أو إلى الجميع في آن واحد، وكأن الأمر يتعلق بمؤامرة دولية محكمة التدبير والتنسيق. وفي خضم هذا السجال، كانت نبرة الاتهامات تتغير وتشتد وتتخذ منحى مختلفا بحسب من يأخذ الكلمة، وبقدر ما يسود اللحظة من انفعال واحتقان، ووفق ما تمليه المصلحة الحزبية من رغبة في استثمار القضية وتحقيق مكاسب سياسية منها.

واليوم، أوضح الاتحاد الأوروبي أن المملكة المغربية شريك استراتيجي في قضايا الهجرة، وهو ما يعني أن هناك، في هذا المجال، مقاربتين: مقاربة ثنائية تجمع المغرب بإسبانيا، وأخرى متعددة الأطراف تشمل الاتحاد الأوروبي برمته. وفي ذلك، بصورة غير مباشرة، رفض لاستعمال مصطلحات من قبيل «الغزو» و«الهجوم» و«الاقتحام» و«الحرب» و«الحرب الهجينة». وهي مصطلحات اختلطت بالأمس، داخل البرلمان الإسباني، بالانفعال وبمختلف الفرضيات التي طرحها أصحاب السعادة، إلى حدّ الدعوة إلى مطاردة المهاجرين، واحدا تلو الآخر، أو جميعهم دفعة واحدة.

وإذا كانت هذه الفرضيات جميعها تنطلق من انفعالات متباينة، وتستند إلى تقرير أمني لا يسهم إلا بقدر ضئيل، إن لم يكن معدوما، في استجلاء حقيقة ما جرى، فضلا عما يتضمنه من أخطاء وترجمات رديئة جدا من العربية إلى الإسبانية، فإن حصيلة الجلسة البرلمانية التي انعقدت بالأمس كانت مثيرة للسخط، وغير مقبولة ولا محتملة، بل لا يمكن وصفها إلا بالمخزية. ومما يزيد الأمر استنكارا أن يصدر ذلك عن بلد جار، أظهر بعض برلمانييه وليس جميعهم، لحسن الحظ، وفي سعيهم إلى لفت الأنظار واستعراض مواقفهم، سلوكا مسيئا ومثيرا للاستنكار ومفتقرا إلى الحس الإنساني.

إن الحديث عن أزمة الهجرة يفرض أيضا على أصحاب السعادة أن يتفحصوا، بدقة وشمول، جميع الظروف والأوضاع الكامنة وراءها: الأسباب الأولى، وآليات مراقبة الحدود، وتاريخ الاستعمار، والمسؤوليات الإدارية الملقاة على عاتق كل بلد، أوروبيا وإفريقيا، وقبل كل شيء، احتياجات الأشخاص المتضررين. ذلك أن كل لفظ يُستخدم لتسمية هذا الواقع ينطوي على تأويل بعينه، ويستبق، على نحو ما، استجابة سياسية محددة.

إن تغيير دلالات تلك الكلمات والخلط بينها من شأنه أن يشوّه، بصورة كاملة، تأويل الرسالة ومقاصدها. وحين يُراد استنباط نية عدائية من لفظة واحدة، يصبح من الضروري العودة إلى الوضع الأصلي الذي وردت فيه وفحص سياقها بدقة. على أن يتم ذلك، بطبيعة الحال، بالقدر اللازم من الحيطة والتبصر الذي تحاول حكومة سانشيز الحفاظ عليه، نسبيا، لا بالنهج الذي يتبعه بعض شركائها، ممن يغالون في مواقفهم من غير أن يقدّروا أو يستوعبوا مدى الأثر الذي قد تخلفه مصطلحاتهم المتهجمة على المجتمع، وفي اللغة التي صدرت عنها، ولا سيما حين يُترجم ذلك الخطاب إلى لغة سامية أخرى كالعربية.

آخر الأخبار

التقرير الأمني بشأن سبتة: عندما لا تكفي الفرضيات لاتهام دولة
يشكّل الدخول الجماعي للمهاجرين إلى مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليو 2026 حدثًا بالغ الخطورة، يستوجب إجراء تحقيق شامل ومستقل ودقيق. ونظرًا إلى أهمية ما حدث وما قد يترتب عليه من تداعيات على العلاقات بين إسبانيا والمغرب، ينبغي أن تستند الاستنتاجات إلى أدلة موضوعية موثَّقة وقابلة للتحقق من الناحية القانونية. يتضمن التقرير الذي أعدّه المركز […]
"Cnss".. أزيد من 25 مليون مستفيد من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض سنة 2025
أفاد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أن عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض بلغ 25,08 مليون مستفيد سنة 2025، بارتفاع نسبته 3 في المائة مقارنة بسنة 2024، فيما بلغت قيمة التعويضات المصروفة 22,65 مليار درهم، بزيادة قدرها 17 في المائة. وأوضح بلاغ للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عقب اجتماع مجلس إدارته برسم دورته العادية، الذي […]
«توت الأرض» يمثل المغرب في ''الأوسكار''
يستعد المغرب لخوض غمار المنافسة على جوائز الأوسكار لسنة 2027 من خلال الفيلم الطويل «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، بعدما وقع عليه اختيار اللجنة المختصة بالمركز السينمائي المغربي لتمثيل المملكة في فئة أفضل فيلم دولي. وجاء اختيار الفيلم عقب اجتماع اللجنة المكلفة بانتقاء العمل السينمائي الذي سيحمل الألوان المغربية في هذه التظاهرة العالمية، حيث […]