يعيش النصاب والهارب من العدالة هشام جيراندو، أسوأ أيامه في الفضاء الرقمي، بعدما تهاوت الأوهام التي بناها طوال سنوات حول نفسه كـ”صانع محتوى” مؤثر. فقد شكلت الضربات المتتالية التي تلقاها مؤخراً نقطة تحول جذرية في مساره الانحداري، فمن جهة، جاءت التسريبات المدوية لـ “أطلس هاكرز” (Atlas Hackers) لتعري حقيقة عملياته المشبوهة وتكشف المستور عن طرق تلاعبه، ومن جهة أخرى، شكلت الفضائح التي كشفها وفضحها رضا الطاوجني ضربة قاضية لـما تبقى من صورته المهزوزة أصلاً.
أمام هذا الحصار وتشويه الصورة، فقد جيراندو أدواته الرئيسية بعد إغلاق قناته على “يوتيوب” وصفحته على “فيسبوك”، وهو ما شل بشكل شبه كامل حركة موقعه “تحدي”، وقطع عنه شريان الوصول إلى الجماهير العريضة،. فهذا الاختناق الرقمي لم يترك له خياراً سوى البحث اليائس عن موطئ قدم في منصات جديدة وتطبيقات بديلة، في محاولة لإعادة تدوير خطابه التشهيري المستهلك.
لقد دفع اليأس جيراندو إلى محاولة اقتحام منصة “Kick”، لكن محاولته باءت بفشل ذريع، فالنصاب الذي يدعي الإلمام بكل شيء، وجد نفسه غارقاً في الجهل التام بطبيعة الجمهور المستهدف على هذه المنصة، وتقنيات التعامل معها. وهذا الجهل، بالتزامن مع صعود موجة من صناع محتوى آخرين في نفس فضاءاته المظلمة، جعله يتراجع خطوات إلى الوراء، ليجد نفسه مجبراً على التواري في ظلال قنوات ومساحات يملكها غيره، مكتفياً بدور “الضيف” بعد أن كان يدعي الزعامة.
عقدة الزعامة ورفض شباب (GenZ) لخطاب التضليل
في إطار بحثه المحموم عن أتباع جدد لتعويض نزيف مشاهداته، وجه جيراندو بوصلته نحو منصة “Discord”، مستهدفاً بالأساس خوادم الشباب من جيل (GenZ)، حيث اعتقد جيراندو أن هذا الجيل الشاب قد يكون أرضية خصبة لزراعة أوهامه، فحاول التسلل إلى خادم “GENZ 212” طالباً استضافته في جلسات البودكاست (Podcasts) للترويج لنفسه، إلا أن الوعي العالي للشباب المغربي شكل حائط صد منيع؛ حيث تم تجاهل طلباته ورفض منحه أي مساحة لنفث سمومه، مما يعكس فشله الذريع في اختراق الجيل الجديد الذي يمتلك من الذكاء الرقمي ما يكفي لتمييز النصاب من الصادق.
أمام هذا الطرد الصامت من منصات الشباب المعتدلة والواعية، لم يجد جيراندو ملاذاً سوى اللجوء إلى خوادم راديكالية (مثل خادم Anti3alawi) التي تعج بوجوه هاربة ومشبوهة خارج أرض الوطن. هناك، وفي بيئة معزولة، حاول عبثاً أن يتقمص دور “المثقف” والخبير بخبايا السياسة، والأمن، والدبلوماسية في المغرب.
لكن هنا يبرز أول التناقضات الصارخة لهذا النصاب: كيف لشخص يدعي أنه “خبير استراتيجي” ويمتلك معلومات حساسة، أن يقف موقف المتسول أمام رواد هذه الخوادم؟ لقد اشترط جيراندو لتحقيق ما سماه “عودته القوية والمزعزعة للمؤسسات” أن يقوم مستمعوه بتوفير “قراصنة (Hackers)، ومصممين، ومطورين” للعمل لصالحه! إنه تناقض يفضح حقيقة أن هذا “الزعيم الوهمي” لا يملك أي مقومات حقيقية، وأنه يحاول استغلال مهارات الشباب التقنية كدروع بشرية وأدوات مجانية لخدمة أجندته الفاشلة.
تناقضات الخطاب.. ادعاء البطولة والجبن خلف الشاشات
من خلال رصد نشاط هشام جيراندو خلال الأسابيع القليلة الماضية، تتكشف صورة شخص يعيش عزلة خانقة ومحاطاً بمجموعات تحركه وتتلاعب به أكثر مما يقودها هو. ورغم ادعاءاته المستمرة بمحاولة فرض نفسه كـ”قائد مستنير” وسط باقي الوجوه الهاربة والمحرضة، إلا أن أفعاله تفضحه في كل مرة.
ويبقى التناقض الأكبر والأكثر إثارة للسخرية في سلوكه المزدوج خلال البث المباشر. ففي الوقت الذي يسعى فيه للظهور بمظهر “المناضل الشرس” الذي لا يهاب المواجهة، نلاحظ أنه خلال مشاركاته في فضاءات “تيك توك” المباشرة (Lives) مع شركائه في التحريض، يسارع إلى تسجيل الخروج والهروب الجبان في اللحظة التي يتدخل فيها أي مواطن مغربي غيور لفضحهم أو مواجهتهم.
وهذا الهروب المتكرر، خوفاً من أن “تتلطخ صورته” وسط تبادل الشتائم، يتركه في موقف هزلي، بينما يقوم شركاؤه (الذين لا يملكون ما يخسرونه) بإعادة نشر تلك المقاطع التي توثق هروبه، في جبن افتراضي يكشف هشاشة شخص لا يقوى حتى على الدفاع عن أفكاره في مواجهة كلامية مباشرة.
وعلاوة على ذلك، يعاني خطابه من حالة إفلاس تام، فهو يعيد تدوير نفس الاستهدافات، ونفس الأسماء، وبنفس النبرة المبتذلة، مما جعله نقطة ضعف واضحة حتى بين صفوف المتعاونين معه. لقد أدرك جيراندو عجزه الكامل أمام التكتلات الأخرى للمحرضين، وبات مجرد بيدق يتم إقحامه أو إبعاده حسب حاجة تلك المجموعات لخدمات تواصلية ظرفية.
استغلال الملفات الوهمية ونهاية “المشروع”
وفي محاولة يائسة أخيرة لجذب الانتباه وخلق هالة من الغموض حول نفسه، لجأ جيراندو إلى حيلة مكشوفة تتمثل في الاستغلال الرخيص لملفات لا يملك حولها أي معطيات، ومن أبرز هذه المحاولات ادعاؤه امتلاك تفاصيل حساسة حول ما يسميه بـ”الملف السعودي”، أو ركوبه على موجة قضية “ضابط أمن سابق” زاعماً أنه لا يزال على تواصل معه وأن الأخير يتعرض للتهديد. والهدف من هذه المسرحية هو إيهام المتابعين بأنه يملك “صندوق أسرار” لدفعهم إلى دعمه وتوفير الموارد التقنية التي يتسولها.
لكن هذه الخطوة ارتدت عليه بشكل عكسي وكشفت تناقضاً آخر في دائرة علاقاته. فادعاء قربه من ذلك “الضابط” السابق المزعوم، الذي يعتبر الآن مختفياً عن الأنظار، زاد من عزلته حتى داخل أوساط المعارضين بالخارج. هؤلاء ينظرون إلى هذا الارتباط بريبة شديدة، معتبرين أن “من كان ابناً للمؤسسات الأمنية يظل كذلك للأبد”، مما جعلهم يشكون في أن جيراندو قد يكون مجرد “طعم” أو “أداة اختراق”. هذه الريبة دفعت باقي المشهرين والخونة للانفضاض من حوله، وإقصائه من أي حملات رقمية ذات شأن.
خلاصة القول، إن هشام جيراندو اليوم يقف عارياً أمام شاشته؛ منبوذ من منصات التواصل الكبرى، مرفوض من الجيل الشاب الواعي، مفضوح أمام الرأي العام بفضل تسريبات “أطلس هاكرز” وحقائق “رضا الطاوجني”، ومحاصر بتناقضات خطابه وجبنه المتكرر. إن محاولته البحث عن موطئ قدم في زوايا “ديسكورد” المظلمة ليست سوى رقصة المذبوح لمشروع ابتزازي فقد صلاحيته وانتهت مدته.
