خبير الأمن السيبيراني أبو الكلام يكتب : تعبئة جزائرية لموجة “حريك” جديدة يوم الانتخابات!

بواسطة الإثنين 21 سبتمبر, 2026 - 17:15

منذ أواخر يونيو، بدأت شبكات التواصل الاجتماعي تتحول تدريجيا إلى فضاء للتعبئة حول سبتة، قبل أن تنتقل العملية إلى مرحلة أكثر تنظيما في يوليوز. واليوم، وبعد تجربة 30 يوليوز ثم موعد 15 غشت، يعود تاريخ 23 شتنبر إلى الواجهة، بالتزامن مع الانتخابات التشريعية المغربية. وبينما تتحدث مصادر إسبانية عن تحذيرات أمنية جديدة، تكشف وثيقة تحليلية من 70 صفحة عن وجود مجموعات واتساب مرتبطة بأرقام جزائرية لعبت، حسب التقرير، أدوارا لوجستية في التعبئة السابقة.

لم تعد قصة سبتة خلال صيف 2026 مجرد قصة هجرة غير نظامية ومحاولات فردية للوصول إلى الأراضي الإسبانية. ما تكشفه متابعة التطورات الرقمية هو أن جزءا من الأحداث بدأ قبل ذلك بكثير، داخل مجموعات واتساب وصفحات فيسبوك وحسابات تيك توك وإنستغرام، حيث جرى تداول روايات عن إمكانية العبور، ثم مواعيد للتحرك، ثم معلومات أكثر عملية حول الوصول إلى المناطق الحدودية. ومع اقتراب 23 شتنبر، يبدو أن هذا البعد الرقمي يعود من جديد إلى الواجهة.

تعود إحدى أهم الخيوط إلى النصف الثاني من يونيو وبداية يوليوز. فقد رصد تقرير تحليلي إسباني حديث، يقع في 70 صفحة، تصاعدا تدريجيا في المحتوى المرتبط بسبتة، قبل أن يبلغ ذروته في الأيام التي سبقت أحداث 30 و31 يوليوز. ويشير التقرير إلى أن الحملة لم تعتمد على منصة واحدة، بل على منظومة متعددة المنصات، كان لكل واحدة منها دور مختلف: واتساب للتنسيق وتبادل المعلومات العملية، فيسبوك لبناء مجتمعات أكثر استقرارا، تيك توك لتوسيع الانتشار، وإنستغرام لتعزيز الجانب البصري، بينما استخدمت منصات أخرى مثل X وDiscord بدرجات متفاوتة.

وتكشف هذه الملاحظة عن تحول مهم في طبيعة التعبئة. فالمحتوى لم يعد يقتصر على عبارات عامة تشجع على الهجرة، وإنما انتقل، حسب التقرير، في أواخر يوليوز إلى تداول خرائط ومسارات وصور للمناطق الحدودية ومعلومات عن نقاط التجمع والتوقيت. ويشير التقرير إلى أن يوم 25 يوليوز شكل إحدى نقاط التحول، مع ظهور محتويات تتضمن مسارات للعبور سباحة ومعلومات عن المسافات ونقاط الانطلاق، قبل أن تتسارع وتيرة النشر يومي 27 و28 يوليوز.

وفي قلب هذه الشبكة ظهر اسم أصبح لاحقا محورا رئيسيا في عدد من التقارير: «هجمة كرياج سبتة». ووفق التقرير، تم التعرف على هذه المجموعة يوم 28 يوليوز، وكانت تدار بواسطة رقم يحمل المفتاح الدولي +213 المرتبط بالجزائر. ويقول التقرير إن المجموعة لم تكن مجرد فضاء لتبادل الأخبار، وإنما تضمنت، حسب الأدلة التي جمعها معدوه، رسائل مرتبطة بالتوقيت ونقاط التجمع والتنقل والتعليمات الموجهة إلى المشاركين.

وهنا تبدأ أكثر حلقات القصة حساسية. فالتقرير لا يتحدث فقط عن رقم جزائري، بل يقول إن هذا الرقم كان مرتبطا بمجموعة ذات وظيفة لوجستية داخل منظومة أوسع. كما يشير إلى ظهور مجموعة ثانية باسم «هجمة» يوم 31 يوليوز، كانت تدار كذلك من رقم يحمل المفتاح +213، واتجه جزء من نشاطها نحو مليلية بعد تعزيز الإجراءات الأمنية في سبتة. لكن معدي التقرير يسجلون في الوقت نفسه أنهم لم يتمكنوا من إثبات وجود علاقة تنظيمية مباشرة بين المجموعتين، باستثناء تشابه المفتاح الهاتفي والتزامن والوظيفة.

وهذه النقطة بالذات تستحق الكثير من التدقيق. فوجود رقم جزائري في إدارة مجموعة واتساب حقيقة قابلة للرصد، ووجود مجموعتين تستخدمان أرقاما تحمل المفتاح نفسه مع أدوار لوجستية متشابهة معطى يستحق التحقيق، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أن الدولة الجزائرية أو مؤسسة رسمية جزائرية تقف وراء العملية. بل إن التقرير نفسه واضح في هذا الجانب، إذ يؤكد أنه لم يتمكن من تحديد الهوية المدنية لمديري الأرقام، ولا معرفة ما إذا كان الرقم يستخدمه شخص واحد أو عدة أشخاص، كما لم يجد أدلة تثبت ارتباط المجموعة بمنظمة محددة أو بجهة حكومية.

الأكثر أهمية أن التقرير نفسه يصف البيئة الرقمية بأنها عابرة للحدود، مع وجود مشاركين مرتبطين بالمغرب والجزائر وتونس وفرنسا ودول أخرى. وبذلك، فإن المشهد الذي يظهر من خلال الأدلة المفتوحة ليس شبكة محلية مغربية فقط، ولا شبكة يمكن اختزالها في دولة واحدة، وإنما فضاء رقمي متعدد الجنسيات تتحرك داخله الرسائل والحسابات والمجموعات بسرعة كبيرة.

وتبرز هنا وظيفة واتساب بشكل خاص. فبينما كانت منصات مثل تيك توك مناسبة للوصول إلى جمهور واسع وإنتاج محتوى قابل للانتشار، كان واتساب، وفق التقرير، أكثر ارتباطا بالمرحلة العملية: تبادل التعليمات، طرح الأسئلة، إعادة تنظيم المشاركين وتكييف الرسائل مع التطورات على الأرض. ويصف التقرير هذه البنية بأنها منظومة موزعة، تتخصص فيها المنصات المختلفة في وظائف مختلفة، بما يجعل الشبكة أكثر قدرة على الاستمرار حتى بعد إغلاق بعض الحسابات أو المجموعات.

وهذه الملاحظة تساعد أيضا على فهم ما حدث بعد 30 يوليوز. فقد كشفت تحقيقات لاحقة أن الدعوات لم تختف بعد تلك الأحداث، وإنما انتقلت إلى موعد جديد هو 15 غشت. منصة Maldita.es، التي تابعت نحو ثلاثين مجموعة واتساب، وثقت كيف بدأ بعض المشاركين في مطلع غشت مناقشة تأجيل محاولة 15 غشت والبحث عن موعد آخر. وفي عدة مجموعات ظهر تاريخ 23 شتنبر، مع ربطه صراحة بالانتخابات التشريعية المغربية.

وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة لأنها سبقت المعطيات التي ظهرت في الأيام الأخيرة. ففي التحقيق المنشور يوم 20 غشت، وثقت Maldita.es رسائل داخل مجموعات مختلفة تقترح أن يكون 23 شتنبر هو الموعد الجديد، مع دعوات إلى إبقاء التاريخ سريا بسبب الانتخابات. كما رصدت انتقال بعض المجموعات من أسماء مرتبطة بـ15 غشت إلى مجموعات جديدة مرتبطة بسبتمبر و23 شتنبر.

بل إن تقارير أخرى تحدثت عن تداول رسائل أكثر وضوحا داخل بعض المجموعات، تتحدث عن «هجرة جماعية» يوم 23 شتنبر، فيما أشارت تقارير إعلامية إسبانية إلى مجموعات تضم عشرات الآلاف من الأعضاء. غير أن هذه الأرقام، مثل أرقام سابقة، لا يمكن ترجمتها مباشرة إلى عدد الأشخاص الذين سيشاركون فعليا في أي محاولة.

واللافت أيضا أن الاستعدادات الأمنية لم تكن غائبة عن المشهد. ففي 17 شتنبر، أكدت وسائل إعلام مناورات واستعراض لتعزيزات أمنية مغربية في منطقة باب سبتة ومحيط السياج الحدودي، مع إغلاق مؤقت للمعبر. وفي الوقت نفسه، أفادت التقارير الميدانية بعدم وجود تجمعات كبيرة للمهاجرين في المناطق التي تمت مراقبتها.

كل ذلك يعيدنا إلى السؤال المركزي: هل نحن أمام شبكة منظمة فعلا؟

المعطيات المتوفرة تسمح بالقول أن هناك تنظيما رقميا بدرجات مختلفة. هناك مجموعات، ومشرفون، وتغيير للمواعيد، وإعادة توزيع للمحتوى بين منصات مختلفة، وأحيانا معلومات ذات طابع لوجستي. لكن هذا لا يعني بالضرورة وجود قيادة مركزية واحدة أو غرفة عمليات موحدة. بل إن التقرير التحليلي نفسه يخلص إلى أن الأدلة المتاحة لا تسمح بإثبات وجود هيكل هرمي واحد أو إسناد القيادة العامة للحملة إلى منظمة بعينها.

ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو ما يمكن رصده مباشرة: مجموعات واتساب، أرقام، رسائل، تواريخ، حسابات ومحتويات. المستوى الثاني هو الاستنتاج التحليلي: وجود تنسيق لوجستي وتفاعل بين مجموعات ومنصات مختلفة. أما المستوى الثالث فهو الإسناد السياسي، أي القول أن مؤسسة رسمية تقف وراء العملية خاصة مع وجود أرقام هواتف أجنبية. لذلك فإن وجود رقم +213 يجب أن يبقى، في هذه المرحلة، خيطا من خيوط التحقيق اوجب المزيد من التتبع  والاستقصاء  والتحقيق الجاد.

أما فيما يخص حجم التأثير، فقد تحدثت وثائق إسبانية رسمية رفعت عنها السرية عن مجموعات بلغ مجموع أعضائها نحو 180 ألفا قبل أحداث 30 يوليوز. وقد أظهرت الوثائق أن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني كان قد أبلغ في 29 يوليوز عن مجموعتين تضمان نحو 180 ألف متابع، وعن دعوات للقيام بمحاولة عبور في اليوم التالي، وهو ما يؤكد أن البعد الرقمي كان مرصودا قبل الأحداث.

لكن 180 ألف عضو لا يعني 180 ألف مهاجر، كما أن ملايين المشاهدات لا تعني ملايين الأشخاص الذين كانوا يستعدون للتحرك. القيمة الحقيقية لهذه الأرقام تكمن في شيء آخر: قدرة الرسالة الرقمية على الوصول بسرعة إلى جمهور واسع، ثم تحويل جزء محدود من هذا الجمهور إلى تحرك فعلي على الأرض.

وهذا ربما هو أهم درس من أحداث يوليوز. فالتعبئة الرقمية لا تحتاج إلى إقناع الجميع. يكفي أن تصل الرسالة إلى عدد محدود من الأشخاص المستعدين فعلا للتحرك، وأن توفر لهم معلومات عملية ومواعيد وأماكن تجمع، حتى تنتقل الحملة من العالم الافتراضي إلى الواقع.

وهنا يصبح تاريخ 23 شتنبر أكثر حساسية، ليس لأن وقوع محاولة جديدة أمر مؤكد، وإنما لأن هذا التاريخ لم يظهر فجأة. لقد ظهر في النقاشات الرقمية منذ غشت، ثم استمر في مجموعات جديدة، قبل أن تعود أجهزة الإعلام الإسبانية للتحذير من تداول الدعوات نفسها في الأيام التي تسبق الموعد.

ويبقى العامل السياسي حاضرا بقوة. فاختيار يوم الانتخابات التشريعية المغربية لم يأت من فراغ داخل الرسائل التي وثقتها Maldita.es؛ بعض المشاركين اعتبروا أن انشغال السلطات بالانتخابات يمكن أن يشكل فرصة. لكن هذا يبقى تفسيرا صادرا عن المشاركين في المجموعات، وليس دليلا.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس فقط: «هل سيحدث شيء يوم 23 شتنبر؟»، وإنما: كيف أصبحت عملية التعبئة نفسها تعمل؟

المعطيات التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى منظومة قادرة على إنتاج الرواية، وتوسيع انتشارها، ثم الانتقال إلى مجموعات أكثر خصوصية لتبادل المعلومات العملية. وعندما تتشدد المراقبة، يمكن تغيير الموعد أو إنشاء مجموعة جديدة أو الانتقال إلى منصة أخرى. وهذا بالضبط ما يصفه التقرير التحليلي عندما يتحدث عن منظومة رقمية «موزعة» وقادرة على التكيف والاستمرار رغم اختفاء بعض الحسابات أو المجموعات.

ومن هذه الزاوية، فإن قضية سبتة في 2026 تقدم نموذجا جديدا لعلاقة الهجرة بالأمن السيبراني والفضاء الرقمي. الحدود لم تعد مجرد سياج ومياه ودوريات أمنية؛ أصبحت أيضا معلومة تنتشر، وخوارزمية تضخم المحتوى، ومجموعة واتساب تحدد موعدا، وحسابا يعيد نشر رسالة، ورقما هاتفيا يمكن أن يقود المحققين إلى خيط جديد.

أما الرقم الجزائري، فهو من أكثر هذه الخيوط إثارة للاهتمام، لكنه ليس نهاية التحقيق.

وبالتالي، فإن الصورة الأكثر دقة حتى 20 شتنبر هي أن هناك تعبئة رقمية حقيقية وموثقة حول محاولات العبور إلى سبتة، وأن 23 شتنبر أصبح موعدا متداولا منذ غشت داخل عدد من المجموعات، وأن أرقاما جزائرية لم يتم التعرف على هويات أصحابها، ظهرت في إدارة مجموعات لعبت، وفق تحليل OSINT، أدوارا لوجستية خلال أحداث يوليوز.

والسؤال الذي سيظل مفتوحا أمام أجهزة الأمن والمحققين الرقميين ليس فقط من يملك الرقم +213؟ وإنما: من أنشأ الشبكة؟ كيف انتقلت الرسائل بين المنصات؟ من حدد المواعيد؟ من أعاد تنظيم المجموعات بعد فشل 15 غشت؟ وهل توجد بالفعل جهة تنسق بين هذه العقد الرقمية المختلفة؟

أنس أبو الكلام خبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي

 جامعة القاضي عياض مراكش

آخر الأخبار

الجواهري يلغي ندوة صحفية بسبب الانتخابات
ألغى والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، الندوة الصحفية التي اعتاد تنظيمها بعد كل اجتماع فصلي لمجلس البنك.و”نظرا لتزامن اجتماع مجلس بنك المغرب مع الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية وحرصًا على احترام المبادئ الديمقراطية وضمان الحياد المؤسساتي خلال هذه الفترة، فقد تقرر عدم تنظيم اللقاء الصحفي للسيد والي بنك المغرب، الذي كان مبرمجًا يوم الثلاثاء […]
سطات.. النيابة العامة تحقق في تسجيل صوتي حول استمالة ناخبين بالمال
أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الإستئناف بسطات أن النيابة العامة بادرت إلى فتح بحث قضائي بشأن ظروف وملابسات تسجيل وتسريب وتداول شريط صوتي يمس العملية الانتخابية.  وذكر بلاغ للوكيل العام للملك أنه “على إثر تداول شريط صوتي على منصات التواصل الاجتماعي، يتضمن مضامين من شأنها المساس بصورة العملية الانتخابية ونزاهتها، فقد بادرت النيابة العامة […]
يونس دافقير يكتب: حين كان ترشيح بركة ديمقراطية وصار ترشيح المنصوري “جرأة على الدولة"
لما كتبت افتتاحية مجموعتنا الإعلامية بقلم الأستاذ والصديق أحمد الشرعي أن فاطمة الزهراء المنصوري ( قبل توبتها النصوح في محراب عبديلاه) بروفايل يناسب منصب رئيس الحكومة، علقت افتتاحية ” صوت المغرب” بقلم الزميل يونس مسكين قائلة: “إن الخطوة تعبّر بوضوح عن وصول “الجرأة” على المؤسسات والخيارات الحيوية درجة خطيرة. الدستور واضح في هذا الباب، ويقول […]