حسن طارق: هكذا عرفت عبد العالي بنعمور الاقتصادي الذي أعاد ابتكار مفهوم ” التوافق” السياسي

بواسطة الثلاثاء 29 سبتمبر, 2026 - 12:21


وفاءا لروح الراحل عبد العالي بنعمور توصلت ” أحداث أنفو ” بشهادة في حق الفقيد من الدكتور والباحث حسن طارق والتي تذكر بمسار الاقتصادي والعلمي عبد العالي بنعمور، شهادة اعتبرها حسن طارق ساهمت في جزء كبير من مساره الأكاديمي وبحثه العلمي، الشهادة جاء فيها ما يلي :
كُنتُ طالباً أُدبر ارتباك البدايات وسط قلق الأسئلة التي ينتجُها مخاض المرحلة، وكان نجماً ساطعاً في السماء المتلألئة لمغرب التسعينيات، كان يفصل بيننا أكثر من جيلٍ ومتاريس شتى تُطوق المسافة المُستحيلة بين الهوامش البعيدة وبين الأضواء البراقة للمركز.
كان الطالب مَفتوناً بما يَبدو صوتاً مختلفاً وعميقاً، صوتٌ لا يبحث عن أن يكون الأعلى، ولا أن يحوّل الصراخ إلى جملة سياسية: طائرٌ نادر يُطور أطروحةً واضحةً، ويمنحها ما يكفي من الحجج والتأصيل والأفق.
في لحظةٍ لها علاقة بانشغال بحثي، سيحتاج الطالب إلى تَدبر طبعة من كتاب صاحبنا ” المَغْربُ المساءَل” [Le Maroc interpellé]، إذ لم تعد هناك نسخٌ متوفرة في المكتبات، بعد نفاذ الدّفعة القليلة التي نزلت إلى الأكشاك في نهاية عام 1993، لذلك سيُغامر الطالب الشغوف، بالإقدام على الحل الأكثر جذرية وفقاً لسقف المرحلة: كتابة رسالة وبعثها لصاحب الكتاب! كانت ثمة عقبة صغيرة في هذا الخيار: البحث عن عنوان بريدي موثوق، لم يكن سوى مقر مدرسة HEM بالدار البيضاء (ما زلت أحتفظ الآن في ذاكرتي بأن الأمر كان يتعلق بحي polo).
سأحمل الرسالة إلى مركز بريد ” البهاليل”، وأتركها للقدر، كمن يبعث رسالة يائسة داخل قارورة مغلقة وسط البحر، الذي سيقع بعد ذلك، هو تماماً ما لا يقع دائماً: تلك اللقاءات المُلهمة التي تُغيرنا، أو تلك الكتب التي تعيد صياغة حياة كاملة، أو تفتح مساراتنا حول آفاق مغايرة.
إذ بعد أيام ــ ليست طويلة بما يكفي لنسيان الأمر، وليست قصيرة بما يُسقط عنها طابع المفاجأة ــ سأتوصل برسالةٍ خطيةٍ أنيقةٍ مرفقة بالكتاب. كان الأمر كرماً إنسانياً لا يُنسى.
فتحت الرسالة نافذةً صغيرة لأسئلةٍ جديدة، من وحي الكتاب، ستُقابل بنفس الالتفاتة الراقية.
كانت بلادنا، وهي تخرج من عقد سياسات التقويم، تبحث عن صيغة جديدة للانتماء لعصر دولي مغاير، بعد أن انهار عالم قديم تحت خراب جدار برلين، وبعد أن عادت فكرة الإصلاح للأجندة الوطنية.
لكن تحولات المجتمع والديموغرافيا والتمدن، جعلت من الحوار حول الإصلاح، يخرج لأول مرة من ثنائية الدولة والطبقة السياسية. لقد عرفت التسعينيات انبثاقاً موضوعياً لمساحات واسعة من الديناميات المجتمعية المستقلة عن الرهانات الحزبية والمُنشغلة بالقضايا العامة؛ في صيغة تنظيمات مدنية وحركات حقوقية وتجارب إعلامية وأصوات مُستقلة.
داخل هذا الأفق الثالث، ستبدو آنذاك نبرة الأستاذ عبد العالي بنعمور، غير قابلة للالتفاف: أناقة في الطرح، وبلاغة في التواصل، وعمق في المضمون. كل ذلك ضمن إنسجام مذهبي قوي، ورؤيةٍ سياسية واضحة.
سيأتي الجامعي اللاَّمع إلى المجتمع المدني الفتي، محملاً ببيداغوجيا الأستاذ الذي أسس لتقاليد الدرس الاقتصادي في الجامعة المغربية، ومُعززاً بخبرة الالتزام السياسي السابق الذي كرسه انتداب انتخابي/ برلماني في ولاية دقيقة من المسار التشريعي للبلاد، ومحافظاً على شغف كبير بحوار الأفكار وبحيوية الالتزام ومتعة النقاش.
في تجربة “جمعية بدائل”، كان عبد العالي بنعمور في قلب مغامرة غير مسبوقة، لعل أقرب توصيفٍ لها، ما كان قد أسماه أستاذنا الساعف عبد الله في سياق آخر، بالسياسة المدنية: عندما يجترح المثقف مساحات جديدة للتفكير في الشأن العام، وهو يراهن على قدرة النخب على التأثير وطرح الأفكار وصياغة المفاهيم وصناعة التحول، من خارج المسارات الحزبية، وليس بالضرورة في مواجهتها.
لم يكن التمرين سهلاً بالضرورة، في سياقات طبعت في غالب زمنها السياسي بمحاورات / صراعات ثنائية!
في نونبر 1991، سينشر عبد العالي بنعمور مقال رأي تحت عنوان : ” المغرب في مفترق الطرق “، وهو المقال الذي سيثير نقاشاً واسعاً حول حجم ” المراجعات الفكرية” التي حملها، ما سيجعل كاتبه يضطر للتوسع في أفكاره في كتاب ” المغرب المساءَل ” الذي سيُصدره بعد سنتين من ذلك.
مجمل هذه الأفكار، المنخرطة في أفق التقدم والحداثة، لكن بجرعة من الشجاعة النقدية والجرأة السياسية، ستكون هي محور التجربة الجمعوية لـ “بدائل ــ تغيير وتنمية” التي ستتأسس في وسط التسعينيات، كمختبر للتفكير والاقتراح وصياغة مفاهيم التغيير، التي بإمكانها أن تصبح قوة للتقدم.
معالم هذه الأطروحة، سيستميت الأستاذ بنعمور في الترافع لأجلها بحيوية لا تنضب، من خلال إسهاماته الأكاديمية وحضوره الإعلامي، وكتاباته الصحفية، خاصة في ركن ” على مسؤوليتي” بهذه الجريدة.
في جوهر هذا الترافع، ظل يكمن مفهوم ” التوافق” كفكرة مركزية في التحليل والبناء.
يتعلق الأمر هنا، بدرس كبير للتاريخ، وبنقطة انطلاق حقيقية للتقدم، حيث التوافق بما هو القدرة على تَملك جماعي للقيم المشتركة والتأسيسية للدولة / الأمة، يصبح شرطاً ضروريا للنهضة والتقدم والتنمية.
التوافق هنا، ليس مجرد تدبير تكتيكي لمقتضيات العملية السياسية، بل هو بالتعريف توافق مجتمعي، يشمل سؤال الهوية الوطنية، وقضايا الدمقرطة، وخيارات اقتصاد السوق الاجتماعي الذي تُسنده وظائف جديدة للدولة، وسياسات التلاحم الاجتماعي، بالإضافة إلى منظومة تعليمية تقوم على حد أدنى من التوافقات الوطنية البعيدة عن الاستعمال السياسوي لقضاياها الحارقة: التعريب، المجانية، التوجيه …
من باب النزاهة الفكرية وأخلاق الاعتراف، أن أعبر بكل امتنان على أنني مدين ــ أنا والكثيرون من مُجايلي ــ للفقيد الراحل ذ عبد العالي بنعمور لما قدمه لبلادنا وللديمقراطية المغربية من التزام متواصل في خدمة النقاش العمومي، ومن ترافع مستمر على الحاجة للوضوح الأيديولوجي، وحرص على ربط السياسة بالقيم، والاستحضار الدائم للاختيارات الكبرى للأمة في قضايا السياسة والاقتصاد والتعليم، ضمن رؤية مؤمنة بفضائل التوافق كبناءٍ جماعي للمشترك الوطني، وللمرجعية القيمية للأمة المغربية، بما جعله أحد الوجوه المشرقة ” للديمقراطية الاجتماعية ” المغربية.

آخر الأخبار

امرأة على رأس الحكومة: إشارة تاريخية للمغرب
ثمة تعيينات تضع شخصاً في منصب، وثمة تعيينات أخرى تؤرخ لمرحلة بأكملها. في هذا التاسع والعشرين من شتنبر 2026، فتح تعيين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لفاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية صفحة جديدة في التاريخ السياسي للمملكة؛ فللمرة الأولى، تُسند قيادة السلطة التنفيذية في المغرب إلى امرأة. وبعيداً عن الاسم، وعن […]
الرجاء يضيف مباراة الديربي لبطاقة الاشتراك
 أعلنت إدارة نادي الرجاء الرياضي لكرة القدم عن تحديث جديد لعرض الاشتراك الموسم الرياضي الخاص بالمنصة المغطاة، يشمل فئات (BLACK/VVIP – PREMIUM – SILVER) للموسم الكروي 2026/2027. ​وكشف الفريق الأخضر أن هذا التحديث سيتضمن إدراج جميع مباريات البطولة الاحترافية، بما في ذلك مباراة الديربي في الدورة 11، دون فرض أي تغيير أو زيادة في واجب […]
أسود الكرة الشاطئية يتغلبون على فريق برازيلي استعدادا لمواجهة ليبيا
فاز المنتخب الوطني الأول لكرة القدم الشاطئية على فريق فاسكو دا غاما البرازيلي بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في المباراة الودية التي جمعتهما يومه الثلاثاء 29 شتنبر، في إطار استعداداته للتصفيات الأفريقية المؤهلة إلى نهائيات كأس أمم أفريقيا لكرة القدم الشاطئية. وسيخوض المنتخب الوطني، بقيادة المدرب ماركو أوكتافيو، مباراة ودية ثانية أمام فاسكو دا غاما، […]