في عالم السياسة والعلاقات الدولية، كلما تَعزَّز استقرار دولة وتنامت قوتها المؤسساتية، كلما اتسعت دائرة خصومها وتعددت أساليب استهدافها. والمملكة المغربية، بما تنعم به من استقرار أمني مشهود به عالمياً في محيط إقليمي مضطرب، لم تكن يوماً استثناءً من هذه القاعدة العامة.
غير أن المثير للانتباه في السنوات الأخيرة، هو التحول الجذري في طبيعة هذا الاستهداف. فبعد أن كان مبنياً على تقاطعات سياسية أو مصالح جيواستراتيجية، انحدر ليُصبح حالة نفسية معقدة وهوساً مرضياً يمكن تشخيصه اليوم تحت مسمى “متلازمة عبد اللطيف حموشي”! وهي متلازمة باتت توحد بين مجرمين هاربين، وصحفيين مدفوعين بأحقاد شخصية، ومنظمات تقتات على الاستشراق الجديد، يجمعهم هدف واحد: هو محاولة النيل من المؤسسة الأمنية المغربية عبر استهداف مديرها العام.
ولتشخيص عَبثية هذه “المتلازمة”، يكفي التوقف عند أحدث تجلياتها التي طفت على السطح عبر مقطع فيديو مقتضب نشره المدعو هشام جيراندو، وفي هذا المقطع، ينسج هذا الأخير قصة خيالية يتهم فيها عبد اللطيف حموشي شخصياً بالتستر على جرائم موظف شرطة بمدينة مراكش، مدعياً أن هذا الأخير قام بإيداع خصمه (وهو موظف شرطة آخر) في مستشفى الأمراض العقلية بعد أن اتهمه بالخيانة الزوجية!
والحقيقة التي تتجاوز هذه الحِبكة الرديئة، كما تؤكدها مصادر متطابقة، هي أن الأمر يتعلق بحالة مَعزولة لموظف شرطة يعاني للأسف من أعراض نفسية، استوجبت تدخل ولاية أمن مراكش لتوفير المتابعة الطبية والنفسية لصالحه، في إطار الرعاية الاجتماعية والصحية التي توليها المديرية لموظفيها. لكن العقل المريض لجيراندو أبى إلا أن يحول إجراءً إدارياً وطبياً روتينياً إلى مؤامرة يقودها رأس الهرم الأمني.
إن هذا التلفيق ليس زلة عابرة، بل هو عرض مُتقدم من أعراض “متلازمة حموشي” التي يعاني منها جيراندو بشكل مزمن. فمن يتابع مقاطعه على صفحة “تحدي”، سيلاحظ بلا شك كوميديا سوداء تتجاوز حدود المنطق؛ إذ أصبح المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، في مُخيلة هذا النصاب الهارب، هو المسؤول الأول والأخير عن كل الآثام والآلام في المغرب.
فإن ارتفعت الأسعار، أو تفشت البطالة، أو تلوث الهواء، أو تراجع صبيب السدود، أو حتى إن وقع ازدحام مروري أو شجار بين شخصين في الشارع العام، فإن جيراندو لا يتردد في استدعاء اسم الحموشي لإقحامه بشكل عبثي. وهذا الإصرار على إلصاق قطاعات لا علاقة لها بالعمل الأمني بشخصية أمنية، يعكس حالة من الإفلاس الفكري وفقدان البوصلة والهوس المرضي.
وبالعودة قليلاً إلى الوراء، وتوسيع عدسة التحليل، يَتضح أن هذه المتلازمة لم تعد حكراً على العقل المضطرب لجيراندو أو المهدي حجاوي وأمثالهما من المجرمين، بل أضحت حالة نفسية تَظهر أعراضها بقوة على كل كاره للمغرب ومتربص بأمنه واستقراره.
فمن الصحفي الإسباني عبد الحق إغناسيو سمبريرو، إلى علي لمرابط، وصولاً إلى الصحافة الصفراء في فرنسا وإسبانيا، وانتهاءً بمنظمات الوصاية الحقوقية مثل “أمنستي” وغيرها من وجوه الاستشراق الجديد؛ فكل هؤلاء يعانون، بطريقتهم الخاصة، من ذات المتلازمة ونفس الهوس.
إنهم يُدركون جيداً أن الاستقرار الذي يزعجهم، والذي يحول دون تحويل المغرب إلى دولة هشة يسهل ابتزازها، يقف خلفه جهاز أمني قوي ومتماسك، ولذلك أصبحت عقيدتهم مبنية على ضرورة إضعاف هذا الجهاز بأي ثمن، من خلال استهداف مركز الثقل الأمني ممثلا في عبد اللطيف حموشي.
إن هذا الهوس المحموم باستهداف اسم عبد اللطيف حموشي ليس مجرد صدفة أو سلوكيات فردية معزولة، بل هو توجه راديكالي مُمنهج يندرج ضمن أبجديات “الحروب الهجينة” (Hybrid Warfare). هذه الحروب التي تستهدف الدول من الداخل عبر نشر الشائعات، وتقويض الثقة في المؤسسات السيادية، واستهداف نواة القوة داخل مفاصل ومقاليد الدولة.
وخصوم المغرب يُمنون النفس بأن استهداف شخص المدير العام للأمن الوطني سيؤدي حتماً إلى إضعاف المنظومة الأمنية والشرطية، تمهيداً لاستهداف المملكة المغربية ككل، وفرملة مسار تقدمها التنموي والدبلوماسي، الذي يبدو أنه أصبح يزعج فضاءات كاملة ضمن المنظومة الدولية، ولم يَبق حكرا على بلد أو منظمة محددة.
لكن في مقابل هذا الاستهداف الممنهج وحملات التضليل، تقف الحقائق الدامغة كجدار صد منيع يحبط هذه المخططات ويجعلها بلا معنى، حيث إن قوة المنظومة الأمنية المغربية لا تستمد شرعيتها من الرد على الشائعات، بل من الميدان؛ حيث تتوالى النجاحات في تفكيك الخلايا الإرهابية وصد التهديدات العابرة للحدود، والتأمين الاحترافي لأكبر الملتقيات السياسية والرياضية والاقتصادية الدولية التي تحتضنها المملكة. كما أن الريادة التي حققها المغرب ضمن مجتمع التعاون الأمني الدولي جعلت منه شريكاً موثوقاً لا غنى عنه في الحفاظ على الأمن الإقليمي والعالمي.
ويَنضاف إلى هذه القوة العملياتية والميدانية، عامل آخر يشكل الضربة القاضية لكل ادعاءات المصابين بـ”متلازمة حموشي”، ألا وهو الاعتراف الدولي الصريح بريادة الأمن المغربي. فالتوشيحات والاعترافات المتتالية التي حظي بها عبد اللطيف حموشي من دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وإسبانيا، ودول عربية ومنظمات شرطية عالمية، لم تأتِ من فراغ. بل هي اعترافات دولية بشخصية أمنية مرموقة ذات إسهام عالمي وحقيقي في تحقيق الأمن الدولي.
وهذا التقدير العالمي المستمر هو الذي يفند، من الأساس، كل مقومات تلك المتلازمة المرضية، ويترك أصحابها – من مجرمين هاربين، وصحفيين مدفوعين بالضغينة، ومنظمات مأجورة – يغردون خارج سرب الواقع، ويُعانون في صمت من عقدة مؤسسة أمنية مغربية اختارت العمل بصمت، وتَركت نجاحاتها تتحدث نيابة عنها وعن مديرها العام.
