الجمهورية المقنّعة: حين تستلهم فرنسا أبجديات قمع التجمهرات من قواميس الديكتاتوريات

بواسطة الخميس 8 أكتوبر, 2026 - 19:18

طالما تغنت الجمهورية الفرنسية بشعاراتها الثلاثية “حرية، مساواة، أخوة”، ونصّبت نفسها أمام العالم حارسةً لقيم الأنوار، ومدافعة شرسة عن حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية التعبير، غير أن المشهد الداخلي الفرنسي اليوم، وتحديداً في تعاطي الدولة مع التظاهرات الاحتجاجية لتلاميذ المؤسسات الثانوية، يعكس مفارقة صارخة وسقوطاً مدوياً لـ “دولة الحق والقانون”. 

إن المتأمل في المقاربة الأمنية والسياسية والإعلامية التي اعتمدتها باريس مؤخراً، لا يملك إلا أن يلاحظ كيف انزلقت السلطات نحو تبني عقيدة قمعية متطرفة، تستمد أبجدياتها من قواميس أكثر الديكتاتوريات غرقاً في الاستبداد، محولةً شوارع الجمهورية إلى ساحات تُرصف بالهراوات وتُحجب فيها الحقيقة خلف أقنعة الشرطة.

العنف الممنهج: سقوط القناع الأخلاقي للأمن الفرنسي

لم تعد التجاوزات الأمنية في فرنسا مجرد “حوادث معزولة” يمكن تبريرها بهفوات فردية، بل تحولت إلى نهج مؤسساتي موثق بآلاف الصور والتسجيلات والإفادات الصادمة التي تعج بها منصات التواصل الاجتماعي والتقارير الحقوقية، حيث إننا نقف اليوم فعلا أمام مشاهد تدمي الجبين، حيث يتم التعامل مع قاصرين وتلاميذ عُزّل بآلة قمعية عسكرية أو شبه عسكرية.

ومن أكثر هذه المشاهد قتامة وبشاعة، تلك المقاطع التي وثقت لتعرض تلميذة مراهقة لتحرش جنسي على يد عناصر يُفترض أنهم يمثلون قوة إنفاذ القانون وحماية المواطنين، حيث أن تحول سلطة الردع إلى أداة للامتهان الجسدي والجنسي يمثل انهياراً لكل القيم الأخلاقية التي تقوم عليها مؤسسة الشرطة، التي تتغنى منذ عشرات السنين على أنها تخضع لمدونة أخلاقيات صارمة، يبدو جليا اليوم أنها أصبحت نسيا منسيا على شوارع أرض الحريات وبلاد الأنوار.

وإلى جانب ذلك، شهدت شوارع فرنسا عودة مرعبة لاستخدام العصي المعدنية والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع بكثافة غير مبررة ضد أطفال وشباب صغار، وهو ما أسفر عن مأساة إنسانية تمثلت في بتر يد تلميذ مراهق، حيث إن استخدام أسلحة تؤدي إلى عاهات مستديمة ضد محتجين سلميين أو حتى مشاغبين قاصرين، يعكس رغبة واضحة في “الكيّ بالترهيب”، وهي فلسفة عقابية تتجاوز منطق حفظ النظام العام لتصل إلى منطق الانتقام والتشويه الجسدي، وهو تماماً ما تمارسه الأنظمة الشمولية لسحق إرادة شعوبها.

ترهيب القاصرين وإخفاء الهوية: تكتيكات الدولة البوليسية

في دلالة واضحة على النوايا المبيتة للإفلات من العقاب، لجأت السلطات الفرنسية إلى نشر عناصر شرطة ملثمين ومقنعين في مواجهة التلاميذ، حيث إن إخفاء هوية رجل الأمن يمارس مهمة تدبير الحريات يمثل ضربة في صميم مبدأ الشفافية، ويهدف بالأساس إلى فك الارتباط بين الانزلاقات الشخصية والعنف المفرط وبين المساءلة القانونية. فعندما يرتدي رجل النظام العام قناعاً، فإنه يتخفف من عبء المسؤولية، ويتحول إلى آلة بطش مجهولة الملامح، مما يكرس مناخاً من الرعب النفسي ويفسح المجال لأبشع التجاوزات دون خوف من الملاحقة.

ولم يتوقف الترهيب عند حدود الشارع، بل امتد إلى أقبية مخافر الشرطة، فقد بات الركون إلى تقييد الحرية والاعتقال التعسفي سلاحاً منهجياً لثني المتظاهرين عن ممارسة حقهم الدستوري في الاحتجاج. وقد فضحت المحامية “أينهوا باسكوال” (Ainoha Pascual) في تصريحها الصادم حجم الرعب الذي يعيشه القاصرون الموضوعون تحت الحراسة النظرية، حيث إن وضع مراهقين في زنازين الاحتياط، وممارسة الترهيب النفسي عليهم، لا يهدف إلى تطبيق القانون، بل إلى كسر شوكتهم وزرع الخوف في نفوس جيل بأكمله، ليتربى على فكرة أن المطالبة بالحقوق ثمنها الحرمان من الحرية والتعرض للتنكيل.

نسف المبادئ القانونية: العودة إلى عصور العقاب الجماعي

في خضم هذه الأزمة، كشفت النخبة السياسية الفرنسية عن استعداد مرعب للتضحية بأقدس المبادئ القانونية التي استقرت عليها البشرية منذ قرون، وعلى رأسها مبدأ “شخصية المسؤولية الجنائية”. فقد صُدم الحقوقيون بتصريحات العديد من المسؤولين الفرنسيين الذين لوّحوا صراحة بترتيب مسؤولية الآباء والأولياء عن تصرفات أبنائهم، وتحميلهم وزر سداد الإدانات النقدية والغرامات الباهظة.

إن هذا التوجه يمثل نكوصاً قانونياً خطيراً، ويتقاطع بشكل مخيف مع أساليب العقاب الجماعي التي كانت تمارسها محاكم التفتيش أو الأنظمة الاستبدادية للضغط على المعارضين من خلال عائلاتهم، فضلا على أن تهديد الآباء في أرزاقهم ومسؤولياتهم بسبب مواقف أو أفعال أبنائهم يعكس إفلاساً في تدبير الأزمة، وتحولاً من مقاربة معالجة الأسباب العميقة للاحتقان، إلى مقاربة الابتزاز المالي والقانوني للأسر الفرنسية.

الإفلاس السياسي: إغلاق المدارس وعسكرة الطفولة

عوض أن تتحلى الحكومة الفرنسية بالشجاعة السياسية وتفتح قنوات الحوار مع هؤلاء الشباب للاستماع إلى مطالبهم وهواجسهم، اختارت الهروب إلى الأمام واللجوء إلى أسهل الحلول وأكثرها منافاة للديمقراطية: تعطيل الدراسة تماماً، حيث إن إغلاق المؤسسات التعليمية في وجه التلاميذ هو إقرار بالفشل، وتنازل عن الدور التربوي للدولة لصالح المقاربة الأمنية الصرفة.

وفي تصعيد يعكس حجم الانفصال عن الواقع، خرجت أصوات سياسية وازنة، من قبيل وزير الداخلية السابق “برونو روتايو” (Bruno Retailleau)، لتطالب بخفض سن الرشد الجنائي إلى 15 سنة، فيما يبدو أن بعض السياسيين في فرنسا باتوا يفضلون ملء السجون وتوسيع زنازين الأحداث لاستيعاب القاصرين الفرنسيين، بدلاً من الجلوس معهم على طاولة الحوار، علما أن الدعوة إلى تجريم مراهقين في الخامسة عشرة من عمرهم والزج بهم في غياهب السجون، هي وصفة جاهزة لصناعة جيل من الناقمين والمجرمين، ودليل قاطع على أن العقل السياسي الفرنسي يعيش حالة من العقم، حيث لم يعد قادراً على إنتاج حلول مدنية، فاستعاض عنها بقوانين الطوارئ وتشريعات السجون.

الإعلام الفرنسي: ازدواجية المعايير وسقوط ورقة التوت

أما السلطة الرابعة، ممثلة في الإعلام الفرنسي، فقد اختارت في هذه الأزمة أن تلعب دور “بوق السلطة” بامتياز، متخلية عن كل ادعاءاتها بالموضوعية والحياد، حيث إن حالة وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) تمثل نموذجاً فجاً لازدواجية المعايير. فهذه الوكالة التي تستنفر كل طواقمها وتجند مكاتبها الجهوية وتخصص تغطيات مفتوحة كلما خرج عشرة أشخاص للاحتجاج في أي شارع من شوارع إفريقيا أو دول الجنوب، مبشرةً بحقوق الإنسان ومنددةً بـ “قمع الأنظمة”، أصيبت فجأة بالعمى والخرس أمام ما يجري في شوارع باريس وضواحيها.

فخلال 24 ساعة، بثت الوكالة العشرات من القصاصات الإخبارية حول مختلف قضايا العالم، لكنها لم تخصص سوى قصاصات معدودة ويتيمة لاحتجاجات التلاميذ في فرنسا. والأنكى من ذلك، أن هذه القصاصات المقتضبة جاءت لتعمل كأداة علاقات عامة للحكومة، حيث اكتفت بنقل وجهة النظر الرسمية من خلال تصريحات وزير الداخلية ووزير التربية الوطنية، في تغييب كامل ومقصود لوجهة نظر المحتجين وإفادات الضحايا وتقارير الحقوقيين. 

إن هذا التعتيم الإعلامي الداخلي، الذي يتناقض تماماً مع الحماس الزائد الذي تبديه الوكالة في تدخّلها في شؤون “الآخر غير الفرنسي”، يثبت أن الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في فرنسا لا يختلف كثيراً عن إعلام الأنظمة البائدة عندما يتعلق الأمر بستر عورات النظام وتلميع صورته القمعية.

ديمقراطية على حافة الهاوية.

إن ما تشهده فرنسا اليوم في تعاطيها مع تجمهرات التلاميذ ليس مجرد أزمة عابرة في تدبير الشغب، بل هو عرض مرضي لجمهورية بدأت تفقد بوصلتها الديمقراطية. عندما تُستبدل لغة الحوار بالغاز المسيل للدموع والهراوات المعدنية، وعندما تُنتهك أجساد القاصرين وتبتر أطرافهم، وعندما يرتدي شرطي حفظ النظام العام (وليس شرطي مكافحة الإرهاب) قناعاً للإفلات من المساءلة، ويهدد السياسي الآباء بجريرة أبنائهم، ويصمت الإعلام متواطئاً، فإننا لم نعد نتحدث عن دولة ديمقراطية تواجه أزمة، بل عن دولة تستعير أردية الاستبداد لحماية سلطتها، حيث إن فرنسا اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالوقوف أمام المرآة ومساءلة نفسها: هل ما زالت حقاً بلد الأنوار، أم أن أنوارها قد انطفأت تحت أقدام قوات مكافحة الشغب؟

آخر الأخبار

المهرجان الدولي الـ17 للفيلم الوثائقي بخريبكة يكشف عن قائمة الأفلام المشاركة
كشفت إدارة المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة عن القائمة الرسمية للأفلام المنتقاة للمشاركة في الدورة السابعة عشرة لهذه التظاهرة الثقافية، المزمع تنظيمها من 23 إلى 26 دجنبر المقبل. وأوضح بلاغ لجمعية المهرجان أنه تم انتقاء تسعة أفلام للمسابقة الرسمية، فيما ستتنافس خمسة أفلام قصيرة أخرى ضمن فئة أفلام المدارس، من أصل 87 فيلما وثائقيا من […]
السلامي مدربا جديدا للفتح السعودي
تعاقد جمال السلامي رسميا مع الفتح السعودي لكرة القدم لتولي العارضة التقنية للفريق الأول لكرة القدم، وذلك لخلافة المدرب السابق خالد العطوي، في خطوة تستهدف تصحيح مسار الفريق وإعادة التوازن لنتاجه خلال المنافسات القادمة من دوري روشن السعودي للمحترفين. وقرر السلامي اعتماد الطاقم المساعد الذي سيرافقه في مهمته الجديدة، حيث ضمت القائمة المدافع الدولي المغربي […]
طنجة.. توقيف عماني موضوع مذكرة بحث دولية
تمكنت عناصر الشرطة بولاية أمن طنجة، اليوم الخميس 8 أكتوبر الجاري، من توقيف مواطن عماني يبلغ من العمر 47 سنة، كان يشكل موضوع أمر دولي بإلقاء القبض صادر في حقه من طرف السلطات القضائية بسلطنة عمان. وقد أظهرت عملية تنقيط المشتبه به في قواعد معطيات الأمن الوطني، أنه مدرج على قوائم الأشخاص المبحوث عنهم من […]