منظومة القيم في زمن السيولة: حين تتغير البوصلة ويبحث الإنسان عن المعنى

بواسطة الإثنين 23 فبراير, 2026 - 12:01

في خضمّ التحولات العاصفة التي يشهدها عالمنا المعاصر، تقف منظومة القيم على مفترق طرق دقيق، تتجاذبها رياح الحداثة العاتية وتشدّها جذور التاريخ العميقة، حتى ليخيّل للناظر أن الإنسان بات يعيش بين زمنين؛ زمنٍ تتبدل فيه المعايير بسرعة الضوء، وزمنٍ يحنّ فيه الضمير إلى ثوابتٍ كانت تمنحه الطمأنينة والاتساق.

لم تعد القيم اليوم مجرد منظومة مسلّمات راسخة، بل أضحت ساحة حوار وصراع وتأويل، تتقاطع فيها المرجعيات الثقافية مع تأثيرات العولمة، ويتداخل فيها المحلي بالكوني، حتى غدا الفرد محاطًا بطوفان من الرسائل المتناقضة التي تعيد تشكيل وعيه وتعيد تعريف الخير والشر، والنجاح والفشل، والحرية والمسؤولية.

لقد أسهمت الثورة الرقمية، بما أتاحته من فضاءات مفتوحة للتعبير والتفاعل، في تحرير الصوت الفردي من قيوده التقليدية، غير أنها في الوقت ذاته زعزعت سلطة المرجعيات القديمة، فصار الحكم الأخلاقي رهين المزاج العام العابر، وصار الرأي يعلو ويخبو بقدر ما يحصد من تفاعل لا بقدر ما يحمل من صدق وعمق، وتحوّل الاعتراف الاجتماعي في أحيان كثيرة إلى أرقامٍ باردة تُقاس بعدّادات المتابعين على منصات مثل فيسبوك وإنستغرام، حتى اختلط وهج الشهرة بقيمة الفكرة، وامتزج البريق بالمضمون.

وفي غمرة هذا التسارع، تصاعدت نزعة الفردانية بوصفها عنوان العصر، فتعاظمت المطالبة بالحقوق وتراجعت لغة الواجب، وأصبح تحقيق الذات غايةً تكاد تختزل الوجود الإنساني كله، غير أن المجتمعات لا تقوم على ذواتٍ متجاورة فحسب، بل على ضمائر متعاونة تدرك أن الحرية بلا مسؤولية ضربٌ من الفوضى، وأن الاختلاف بلا احترام مدخلٌ إلى الانقسام.

وليس من الإنصاف أن ننعى القيم أو نعلن أفولها، فالقيم لا تموت بقدر ما تتحول، لكنها قد تضعف حين يغيب عنها الوعي النقدي الذي يهذبها ويصون جوهرها من التشويه، وقد تتشوه حين تُختزل في شعاراتٍ براقة لا تجد لها أثرًا في السلوك اليومي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس في مقاومة التغيير، فالتاريخ سنّة تحوّل لا تعرف السكون، وإنما في القدرة على توجيه هذا التغيير وجهةً أخلاقية تحفظ كرامة الإنسان وتوازن حياته، فتزاوج بين أصالةٍ تمنحه الجذور ومعاصرةٍ تمنحه الأجنحة، وبين انفتاحٍ يستوعب التنوع وثباتٍ يصون الهوية.

وهكذا تظل منظومة القيم البوصلة الخفية التي تحدد مصير الأمم؛ فإذا أحسنت قراءة عصرها وأعادت ترتيب أولوياتها على هدى العقل والضمير، غدت طاقة بناء وازدهار، وإن تركت نفسها نهبًا للسطحية والتقلب، تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة الروح في زمنٍ يمتحن إنسانية الإنسان كل يوم.

* عضو مجلس النواب المغربي

آخر الأخبار

برنامج ثقافي حافل على امتداد سنة .."الرباط عاصمة عالمية للكتاب"
أشرف وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، مساء الجمعة 24 أبريل 2026، على إعطاء الانطلاقة الرسمية لاحتفالية “الرباط عاصمة عالمية للكتاب” لسنة 2026، وذلك بحضور الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، وسفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب وعدد من الوزراء والسفراء والفاعلين الثقافيين. المعرفة حق لكل مواطن الحفل […]
22 لاعبا بلائحة الوداد لمواجهة الكوكب
وجه الفرنسي باتريس كارتيرون مدرب الوداد الرياضي لكرة القدم الدعوة إلى 22 لاعبا لمواجهة الكوكب المراكشي لكرة القدم يومه السبت بالملعب الكبير بمراكش، لحساب منافسات الجولة 16 من البطولة الاحترافية.  واختار كارتيرون كلا من المهدي بنعبيد وبلحيرش والوادي ومحمد مفيد ونبيل خالي ومحمد بوشواري وأيمن الوافي وصلاح مصدق والبرازيلي غييرمو فيريرا والهولندي بارت مايزر.  كما […]
الجيش يحفز لاعبيه بمنحة استثنائية للتتويج بدوري أبطال إفريقيا
وعد المكتب المسير للجيش الملكي لكرة القدم لاعبيه بمنحة استثنائية لتحفيزهم على حصد لقب دوري أبطال إفريقيا، حين يواجهون صانداونز الجنوب افريقي في المباراة النهائية يوم 15 ماي القادم. وتأهل الفريق العسكري إلى النهائي على حساب نهضة بركان، بعدما فاز عليه ذهابا بهدفين لصفر بالرباط، في حين إنتهت مباراة الإياب بفوز الفريق البرتقالي بهدف لصفر. […]