الدكتور محمد الكيحل يكتب: قراءة في الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي بشأن قضية الصحراء المغربية

بواسطة الجمعة 30 يناير, 2026 - 17:18

يعكس اجتماع الموقف الأوروبي تجاه قضية الصحراء المغربية من المنظور الاقتصادي، عمق ومتانة العلاقات الاقتصادية والتجارية القائمة بين الطرفين، فطالما ظلت الشراكة المغربية الأوروبية شراكة نموذجية منذ تأسيسها في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، وظلت مستمرة وصامدة في وجه التحولات السياسية الداخلية لكلا الطرفين والمتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية الطارئة؛ وهذا معطى ظل ثابتا بالنظر إلى عمق العلاقات التاريخية بين الطرفين التي ظل يحكمها الجوار الجغرافي ومنطق تقاسم القيم والمبادئ الديمقراطية والمصالح الاقتصادية المشتركة وكذا التنسيق الدائم والمشترك بين الشريكين لمواجهة التحديات المحدقة بلدان منطقة الحوض المتوسطي وفي مقدمتها قضايا الهجرة والأمن والجرائم العابرة للحدود كالتجارة غير النظامية بمختلف أنواعها والتصدي للإرهاب والحركات المتطرفة والانفصالية المتنامية بمنطقة الساحل والصحراء الكبرى المحاذية للمنطقة المغاربية، حيث ظل الفضاء المغاربي يشكل حزاما جيوسياسيا واقيا يحمي بلدان الضفة الشمالية للحوض المتوسطي من التداعيات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تطرحها القضايا السالفة الذكر. 

       ومن الممكن، أن يشكل هذا الموقف نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات السياسية والدبلوماسية بين المملكة و الاتحاد الأوروبي حتى ترقى إلى مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية الممتازة التي ظلت تجمع الطرفين، بل إن من شأن هذا الموقف أن ينهي الجدل القانوني الذي ظل يطرح بشأن تطبيق بنود الاتفاقية التجارية الموقعة بينهما على منطقة الصحراء المغربية، كما من المتوقع بأن يساهم هذا الموقف في تدفق الاستثمارات الأوروبية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، خاصة وأن هناك العديد من الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية التي تجمع المملكة بكل بلد على حدة من بلدان الاتحاد الأوروبي، وهو ما من شأنه أن يدعم مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين والتي ظلت قوية من الناحية الاقتصادية ولكنها هشة من الناحية السياسية، بالنظر إلى المواقف السياسية الضبابية والمتدبدبة تجاه قضية الوحدة الترابية لبعض بلدان الاتحاد الأوروبي التي ظلت تتخذ من ملف الصحراء كورقة سياسية لابتزاز المملكة اقتصاديا. ومعاكسة طموحاتها الاستراتيجية كقوة اقتصادية اقليمية ناشئة فاعلة ومؤثرة في محيطها الجهوي والقاري خاصة في ظل التواجد الاقتصادي المغربي في القارة الافريقية والذي أضحى يشكل منافسة قوية للقوى الغربية التقليدية التي ظلت مهيمنة على المنطقة وخاصة فرنسا.     بطبيعة الحال، هذا الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي له تأثير إيجابي على مسار التسوية الأممية لقضية الصحراء؛ فهو توجه لا يمكن فصله عن المكتسبات القانونية والسياسية والدبلوماسية التي كرسها القرار الأممي الأخير حول الصحراء، فهذا الاعتراف سيمنح المملكة زخما سياسيا ودبلوماسية في غاية الأهمية بلادنا في أمس الحاجة إليه، خاصة وأنه جاء في سياق تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية تنزيلا وتفعيلا لمقتضيات القرار رقم 2797 الذي كرس الحكم الذاتي كإطار وأرضية وحيدة للتفاوض بين الأطراف المتنازعة لإنهاء هذا النزاع المفتعل الذي هو من مخلفات الحقبة الاستعمارية والحرب الباردة وعمر نصف قرن من الزمن. ولربما فهم أخيرا الاتحاد الاوروبي بأن منطق الابتزاز السياسي قد ولى في ظل المكتسبات السياسية والدبلوماسية التي راكمها المغرب في ملف وحدته الترابية خاصة بعد الاعتراف الأمريكي، وفي ظل تحول المملكة كقوة اقتصادية فاعلة ومؤثرة في محيطها الجهوي والقاري، خاصة في ظل المشاريع التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية ومبادرة ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي وهو ما منح المغرب موقعا هاما في المعادلات الجيواقتصادية والجيوسياسية قيد التشكل بالمنطقة.

  أما من حيث الدلالات القانونية والسياسية، يشكل الموقف الجديد للاتحاد الأوروبي تجاه قضية الصحراء المغربية، تحولا مهما له مزايا سياسية ودبلوماسية في غاية الأهمية، فطالما ظل العلاقات الأوروبية المغربية تعرف فتورا من حين لآخر نتيجة للمواقف المتدبدبة لهياكل ومؤسسات الاتحاد الاوروبي التي ظلت تتخذ موقفا سياسيا لا يعكس متانة العلاقات الاقتصادية بين الطرفين بل كثيرا ما كان موقف الاتحاد الاوروبي معاديا في بعض الاحيان لقضية الوحدة الترابية حيث ظلت القوى الغربية النافذة في هذا التكتل وخاصة فرنسا تستعمل البنيات المؤسساتية والقنوات القانونية للاتحاد الأوروبي للضغط على المغرب وابتزازه سياسيا لتحقيق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية ولو على حساب المصالح الحيوية والاستراتيجية للمملكة، وهو أمر كلف المغرب جهدا ديبلوماسيا وسياسيا كبيرا في أروقة الاتحاد الاوروبي وأدخله في متاهات سياسية ومعارك قانونية خاصة عند تجديد اتفاقيات الشراكة الموقعة، وهو أمر كان تفاديه لو أتخذ الاتحاد الأوربي موقفا سياسيا واضحا من قضية الصحراء المغربية، ولكنه فضل وظل يستعمل هذه القضية كورقة ابتزاز سياسية لتحقيق المصالح الاقتصادية لبعض بلدانه وخاصة فرنسا بالدرجة الأولى.

محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الافريقية، ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات.

آخر الأخبار

السغروشني..نأمل في تكوين 20 ألف شاب في مركز "الحاضنة الرقمية التضامنية"بسلا في أفق 2030
أكدت الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، أمس الاثنين بسلا، أن مركز “الحاضنة الرقمية التضامنية” يقدم تكوينات متخصصة في خدمة الابتكار والتشغيل والسيادة الرقمية للمملكة. وأوضحت السغروشني ، بمناسبة زيارة قامت بها إلى مركز “الحاضنة الرقمية التضامنية” بسلا للاطلاع على مدى تقدم البرنامج الوطني “Génération AIoT”، أن المركز […]
السلطات الأمنية تتفاعل مع تدوينة حول عملية بسيدي بورجة بتارودانت
تفاعلت السلطات الأمنية بجدية مع تدوينة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت تساؤلات حول ما قيل إنه وقوع عملية داخل مسجد بدوار ولاد ترنا بجماعة سيدي بورجا بإقليم تارودانت، وهو المنشور الذي طالب بتدخل السلطات المحلية والدرك الملكي ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد باشرت المصالح المختصة أبحاثها وتحرياتها للتأكد من حقيقة ما […]
مجموعة "أكديطال" تفتتح رسميا أول مستشفى لها في المملكة السعودية
منحت وزارة الصحة فـي المملكة العربية السعودية مجموعة “أكديطال” التصريح الرسمي لافتتاح مستشفى “أكديطال العليا”، أول منشأة استشـفائية لها في المملكة. وذكرت “أكديطال للمستشفيات”، في بيان صحفي، أن المستشفى، الذي يقع في قلب العاصمة الرياض، يعد جاهزا للعمل بكامل طاقته التشغيلية، حيث بدأ بالفعل في استقبال أوائل مرضاه. ويمثل هذا الافتتاح محطة بارزة في مسيرة […]