أثار اعتماد السلطات الجزائرية لقانون التعبئة العامة الجديد، قبيل أشهر قليلة فقط من تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 في المغرب، العديد من التساؤلات حول خلفياته وسياقه السياسي، خاصة وأن دخوله حيّز التنفيذ بتاريخ 27 يوليوز 2025 لم يمر دون إثارة الجدل.
توقيت القانون لم يكن بريئًا، إذ يأتي وسط تحوّلات متسارعة في القارة الإفريقية، حيث يبرز المغرب كلاعب أساسي في إعادة رسم ملامح الرياضة والبنية التحتية والاستثمار، ما يعزّز مكانته الإقليمية. في المقابل، تعيش الجزائر على وقع حراك شبابي يتوق للانفتاح وكسر العزلة، وتحديدًا عبر بوابة كرة القدم، التي تشكل متنفسًا جامعًا.
ويتوقع أن تشهد كأس إفريقيا للأمم بالمغرب حضورًا جماهيريًا جزائريًا واسعًا من مختلف بلدان المهجر، في مشهد قد يحمل أكثر من مجرد بعد رياضي. فالبعض سيأتي لمؤازرة المنتخب الوطني، والبعض الآخر قد يرى في الحدث فرصة لاكتشاف التطورات المتسارعة التي يشهدها المغرب استعدادًا لتنظيم كأس العالم 2030، وهو مشروع ضخم لا يُخفي النظام الجزائري انزعاجه منه.
وفي خضم هذه الأجواء، تبرز المادة 57 من القانون الجديد كنقطة توتر رئيسية. إذ تُحمّل هذه المادة كل مواطن جزائري مسؤولية الإبلاغ عن وجود أي شخص ينتمي إلى “دول معادية”، دون تحديد دقيق لمعنى هذا الوصف، ما يفتح الباب أمام تأويلات قد تطال المغاربة أو حتى الجزائريين المتعاملين معهم بودّ.
هذا الإجراء، وإن قُدم تحت غطاء أمني، يُفهم منه أنه محاولة لتحصين المجتمع من أي تقارب بشري مع “الآخر”، وخاصة المغاربة. والأسوأ من ذلك، أن الشغف الكروي قد يتحول إلى أداة مراقبة، تجعل من الاستضافة عملاً مشبوهًا، ومن التنقل نشاطًا يستوجب التقارير.
تبدو هذه المقاربة وكأنها تسعى إلى عزل المواطن الجزائري نفسيًا واجتماعيًا عن محيطه المغاربي، عبر تحويل حدث رياضي جامع إلى مساحة ضيقة للرقابة والتشكيك.
والمفارقة المؤلمة أن البطولة، التي من المفترض أن تكون مناسبة للتقارب والتلاقي بين الشعوب، تتحوّل في المخيال الرسمي الجزائري إلى مصدر تهديد محتمل. إذ يخشى النظام هناك أن تؤدي أجواء الانفتاح في المغرب، ودفء العلاقات بين الناس، وحماسة الملاعب، إلى زعزعة الخطاب الرسمي المبني على الخصومة.
