مقال الإيكونوميست: محاولة أخرى فاشلة

بواسطة الخميس 20 أبريل, 2023 - 22:47

فضلت التريث بخصوص مقال الإيكونوميست الذي حمل مغالطات كثيرة بخصوص بلدنا، لأن المقال كان طويلا، ويتضمن الكثير من الوقائع التي أغلبها من صنع الخيال، ولأن الاستنتاجات التي تضمنها من خلاصات معطيات غير موثوق فيها، جعلتني أطرح سؤال: ما الهدف من المقال؟ ولمصلحة من ؟ ولماذا في هذا التوقيت؟

غير أنه يجدر البدء بملاحظتين:

الأولى أن الجهات التي احتفت بالمقال، استندت على أنه صادر عن مؤسسة إعلامية كبرى، تعتبر واحدة من بين عشرة مؤسسات الأكثر تأثيرا في العالم، لكنهم لم ينتبهوا، أو تجاهلوا، أن المقال لم يصدر عن الإيكونوميست الأصلية، والتي لم تشر للمقال ولو عرضا في أي عدد من أعدادها، بل صدر في موقع “1843 ماغازين”، التابع لمؤسسة الإيكونوميست، وهو غير موقع صحيفة الإيكونوميست، وأقل شأنا منه، بحيث أن الإيكونوميست كانت قد أحدثت مجلة “1843 ماغازين” منذ عشر سنوات، كملحق يباع منفصلا عن الإيكونوميست، ويضم مقالات تحليلية وتحقيقات مطولة، أشبه ب “لوموند ديبلوماتيك” في علاقتها ب”لومند” الفرنسية، لكن هذه التجربة لم يكتب لها الانتشار، مما جعل المؤسسة الناشرة توقف نسختها الورقية، وتبقي على النسخة الإلكترونية، وبالتالي فإن المقال كانت ستكون له أهمية لو نشر في صحيفة الإيكونوميست وليس في أختها الصغرى “1843 ماغازين” والتي يجهل وجودها كثيرون.

الثانية أنه لا يمكن إسقاط تعاطي الصحافة الفرنسية مثلا مع الشأن الداخلي بالمغرب، مع تعاطي الصحافة البريطانية، ذلك أن هذه الأخيرة معروفة باستقلاليتها عن الحكومة، حتى المنابر العمومية لها هذا الوضع، بحيث مثلا نجد أن البيبيسي رغم أنها ممولة من الحكومة البريطانية إلا أنها مستقلة عنها تحريريا وتدبيريا، ولذلك يصعب إيجاد روابط بين ما يصدر في الصحافة البريطانية والمطبخ الداخلي للحكومة، والدميع يتذكر كيف كانت الصحافة البريطانية على طرفي نقيض مع الحكومة في موضوع حرب الخليج مثلا، بخلاف الصحافة الفرنسية التي وإن كانت تتضمن خطوطا تحريرية مختلفة ومواقف متعارضة بخصوص السياسة الداخلية الفرنسية، فإن الأمر مختلف بخصوص السياسة الخارجية، بحيث تكاد المواقف تتطابق بين صحف اليمين واليسار مثلا من التدخلات الفرنسية في شؤون المستعمرات السابقة، ولذلك فأي ربط بين مقال ” 1843 ماغازين” وتغير في مواقف الحكومة البريطانية الحالية من المغرب، سيكون ربطا تعسفيا.

بعذ هذين الملاحظتين، يمكن الإشارة كذلك إلى النفس الاستشراقي في المقال، بحيث يعيد إنتاج تلك الصور النمطية التي يختزنها العقل الغربي عن المجتمعات التي يسميها شرقية، هذا ما جعل المقال يغرق في صور” الحرملك” التركي الذي لا علاقة له بتقاليد القصور المغربية، وكذلك في قصص “دسائس القصور” والتي تجعلك وأنت تقرأ تحس بالكاتب مفتونا بقصص ألف ليلة وليلة ونكبة البرامكة، دون محاولة من الكاتب الاطلاع على التقاليد والأعراف وتاريخ الملكية المغربية، حتى يكون إخراجه محبوكا أكثر.

وإلى جانب هذه الخلفية الاستشراقية التي تمتح من وهم التفوق، قام الكاتب بإسقاط لتجارب الملكيات الأوروبية بخصوص وراثة العرش على خصوصيات الملكية المغربية، بحيث تحدث صراحة أو ضمنا عن إمكانية التنازل عن العرش، متجاهلا أن ما يربط جلالة الملك بالمغرب بمواطنيه وبمؤسسات بلده وبأسرته كذلك هو عقد البيعة، وهو عقد شرعي ديني يتجاوز الأطر السياسية العابرة.

وإذا كان الملك في بريطانيا هو رئيس الكنيسة البروتيستانية، فإن هذا الوضع هو شكلي، بينما الملك في المغرب هو أمير المؤمنين فعليا وليس شكليا، بموجب البيعة الشرعية أولا، وبموجب أحكام الدستور لاحقا. وهي أمور يصعب على من لم يطلع على مصادر شرعية الحكم في الإسلام استيعابها ومن ثم البناء عليها، إذ إن البيعة كما هي مصدر لشرعية الحاكم، فهي ملزمة للشعب كذلك، إذ لا يستقيم ولا يكتمل إيمان الفرد إلا ببيعته لولي الأمر التي تلزمه بالوفاء والإخلاص لمقتضياتها، وهذا واحد من أسرار اللحمة التي تجمع بين العرش والشعب في بلدنا، لأنها لحمة روحانية في المقام الأول.

تحدث المقال عن مجموعة من القصص المرتبطة بمن أسماهم أصدقاء الملك، وهي وقائع على فرض صحتها من عدمها لا علاقة لها بتدبير شؤون الحكم، ولم يستطع المقال إيجاد روابط بين القرارات الصادرة عن المؤسسة الملكية وبين هذه الصداقات، خصوصا أن الأصدقاء المفترضين الذين تحدث عنهم المقال لا يحوزون أية مناصب سياسية، ولم يعرف عنهم يوما فقه في السياسة ولا ممارسة لها، ولا اهتمام بها.

غير أن المستغرب أن تلك الأخبار في أغلبها استقاها الكاتب من مواقع إلكترونية مغربية، تشتغل في إطار الشرعية القانونية، وعوض أن يرتب الكاتب على الأمر نتيجة وهي حجم حرية الصحافة بالمغرب، والتي جعلت هذه المنابر تثير ما اعتبرته خروقات يقوم بها من سماهم الكاتب أصدقاء الملك دون خشية الإغلاق أو السجن أو المتابعات أو التضييق كما يقع في بلدان كثيرة، آثر الكاتب أن يعتبر الأمر دليلا على وجود صراعات في أعلى هرم السلطة.

وهذا يعود بنا إلى الخلفية الاستشراقية للكاتب، فالخوض في أمور الملكية وقصص القصور في الصحافة البريطانية دليل الحرية والديموقراطية، بينما فعل الأمر نفسه في المغرب هو دليل دسائس القصور، إذ في عرف هذا الكاتب لا يمكن تصور ديموقراطية خارج نسق المجتمعات الغربية.

سيقفز الكاتب دون أي رابط لإعادة تدوير ما نشرته مخبلة “فوربيدين ستوريتز” بخصوص برامج التجسس الإسرائيلية، والتي أسكت المغرب أفواهها حين التجأ إلى قضاء أكثر من بلد أوروبي لأنه متيقن من براءته من ادعاءات مغرضة، رافعا شعار: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

ولم يكتف بإعادة التدوير، بل جعل كل ذلك منطلقا للتهجم على شخصيات تحوز مناصب سامية، وتحظى بثقة جلالة الملك والشعب معا، فالمعلوم أن جلالة الملك معروف بصراحته التي جعلته أكثر من مرة ينتقد الحكومة والوزراء ومؤسسات وسياسات وتدابير رسمية، لكنه في الوقت نفسه لطالما أشاد بمؤسستي الأمن والجيش والذي يعود له وحده صلاحية تعيين المسؤول عنهما وإعفاءه في الوقت نفسه، وبالتالي فإن استمرار المدير العام للأمن الوطني في أداء مهامه هو دليل حيازته لثقة ملكه، كما أن استطلاعات الرأي بالمغرب أثبتت أن المؤسسة الأمنية من المؤسسات الأكثر حيازة لثقة المواطنين.

لقد تطورت هذه المؤسسة في السنوات الأخيرة، وأصبحت أكثر احترافية، مما جعلها تلعب أدوارا في الأمن والاستقرار، ليس في المغرب فقط، بل في علاقته بمحيطه الإقليمي وبشركائه، ولا داعي لإيراد الشهادات بخصوص هذا الأمر.

ومن هنا السؤال، لماذا هذا التهجم على المؤسسة الأمنية المغربية؟ ولمصلحة من؟

بعض عناصر الجواب، يمكن أن نجدها في السياق الدولي المطبوع بالتهديدات الأمنية، وبالتالي فإن امتلاك أي دولة لأمن قوي ولدبلوماسية أمنية نشطة وفعالة، سيجعلها من جهة مطلوبة كشريك متقدم، ولكن من جهة أخرى سيقوي محاولات استهدافها سواء من طرف خصومها، أو من طرف حتى بعض الكيانات التي لا تريد لبعض الدول أن تتجاوز سقفا يراد لها أن تظل فيه.

لقد أبانت أحداث ما يسمى الربيع العربي وما بعده، أن هناك نزوعا لإضعاف الدول، كما أبانت أن الدول التي استطاعت الصمود هي التي تمتلك إلى جانب الشرعية القوية للحاكم ( سواء دينية أو تاريخية أو شعبية أو ديموقراطية دستورية كما هو حال المغرب ) مؤسسات أمنية وعسكرية قوية ومحترفة.

في هذه الخلاصة الأخيرة بعض عناصر الجواب عن سؤال: ما الهدف من المقال؟ ولمصلحة من؟ ولماذا في هذا التوقيت.

آخر الأخبار

العنف ضد النسا.. الإطلاق الرسمي للخلية المركزية للتكفل بضحايا العنف
أشرفت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ، نعيمة ابن يحيى، وهشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة على الإطلاق الرسمي لعمل الخلية المركزية للتكفل بالنساء ضحايا العنف. وفي كلمة بالمناسبة، أكدت الوزيرة أن إطلاق هذه الخلية يندرج ضمن تفعيل مقتضيات القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النسا، ما يشكل “محطة […]
الملتقى الدولي للفلاحة .. توزيع 455 ميدالية لتشجيع المنتوجات المجالية
  أشرفت وكالة التنمية الفلاحية برئاسة وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات،  أحمد البواري، على تنظيم حفل توزيع جوائز النسخة السابعة لـلمباراة المغربية للمنتوجات المجالية. ويأتي هذا الحدث، المنظم على هامش الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب (SIAM)، ليتوج تميز وتنوع المنتوجات المجالية المغربية، مؤكدا على المواكبة الموصولة التي تقدمها الوزارة للمجموعات المنتجة […]
صيف بلا "باراسولات".. ولاية الدار البيضاء تعلن نهاية فوضى استغلال الشواطئ
تتجه ولاية جهة الدار البيضاء-سطات، بإشراف من الوالي محمد امهيدية، إلى إحداث تحول جذري في طريقة تدبير الشواطئ، من خلال اعتماد مقاربة جديدة قوامها ضمان مجانية الولوج، ووضع حد نهائي لحالة الفوضى التي ظلت تطبع استغلال هذه الفضاءات العمومية خلال مواسم الصيف الماضية. وبحسب ما أفادت به مصادر مطلعة، فإن هذا التوجه يترجم إرادة واضحة […]