AHDATH.INFO
منذ رمضان ارتفع إيقاع الدينامية الملكية. دينامية تحكمها رؤية ناظمة لدى محمد السادس: هذا المغرب عليه أن يجد طوق نجاة من التهديدات المناخية، ومن تقلبات الأسواق الدولية، وحروب التموقعات الجديدة بين الأمم.
بينما ينشغل البعض بحروبهم الصغيرة، ينشغل الملك بمستقبل الأمة. منذ أسابيع قليلة ارتفعت وتيرة استهداف المملكة وعاهلها. فريق متكامل من المقامرين وتوزيع الأدوار يضع نصب أعينه مهمة مركزية: رسم صورة مضللة عن واقع البلاد ومستقبلها، والسبيل الوحيد لذلك هو استهداف رمز الأمة وقائدها..
ليس جديدا أن تكون الملكية في مرمى نيران خصومها وخصوم المغرب. في عالم يعيد تشكيل نفسه من العادي أن تتصارع القوى من أجل مصالحها، الجديد هذه المرة هو حجم التضليل والسقوط الأخلاقي لمن يعتقدون أن تحولات العالم الجديد فرصتهم لإنجاز ما عجزوا عنه من مهام قذرة في عالم قديم قيد التجاوز.
لا حاجة لسرد قائمة القصص الخيالية التي تمت حياكتها بخبث منقطع النظير منذ سنوات: ضرب في الوظائف الملكية، في صورة أمير المؤمنين، وفي محيطه الأسري والعائلي… المؤكد أنها فشلت جميعها، ولذلك تم تغيير الاستراتيجية العدوانية نحو تقديم المملكة على أنها “سفينة بلا ربان”، تحكمها “بنية سرية” تتصارع فيما بينها حول المواقع ومجالات النفوذ.
على الخط دخل لاعبون جدد بكل وضوح هذه المرة؛ مقامرون بنزوعات وطموحات شخصية، منتقمون مما يعتبرونه “جنة مخزنية” طردوا منها، دول لها مصالح تتهددها التوجهات الجديدة للمغرب، تختلف الخلفيات والهدف واحد: الابتزاز، أما الملكية والدولة فهما أقوى من المراهقة المتأخرة لبقايا إسقاط الأنظمة.
في مواجهة مثل هذا المد الطافح بقذارة سوء النية، تقدم الملكيات العريقة أجوبة عملية ترتفع فوق صغائر الأشياء والنفسيات، ذلك تماما ما يقوم به الملك منذ أسابيع. في الواقع هذه الأجوبة ليست وليدة الأمس القريب، هي مطبوعة بالاستمرارية منذ أن ظهر أن هناك استراتيجية لتقسيم الدول الوطنية وإضعافها، وتفاصيل ذلك بسطها خطاب العاهل المغربي أمام القمة المغربية الخليجية سنة 2016.
كانت أزمة كوفيد حدثا مباغثا في هذا المسار، لكنها شكلت أيضا فرصة الملك لإظهار مهارات القائد زمن أزمة شديدة الخطورة. عبارة “ملك ضحى باقتصاده من أجل شعبه” اختزلت كل شيء. وبينما العالم يغلق أزمة الوباء، تأتي تهديدات المناخ ممثلة في تعاقب سنوات جفاف قاسية، وحرب روسية أوكرانية تزيد الخروج من أزمة الوباء تعقيدا.
حين تتعرض طموحاتك ومشاريعك لتقلبات غير إرادية، تحتاج لوقفة تأمل، للبحث عن مخارج وبوصلة جديدة، وتحتاج أكثر للارتكان إلى الصمت إلى حين الإمساك بعناصر الجواب على واقع موضوعي منفلت.
منذ رمضان بدأت تتبلور عناصر الجواب الملكي، سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى، استقبالات وتعيينات جديدة في مناصب المسؤولية، بل وانخراط ميداني شخصي للملك في الملفات ذات الارتباط المباشر بالمعيش اليومي للمغاربة.
في ظرف شهر تقريبا تنقل الملك بين الرباط والدار البيضاء وطنجة لتدشين مشاريع في القطاع الصحي، إحدى الأولويات التي حددها المغاربة وتقرير لجنة النموذج التنموي. في هذا المجال يقدم المركب الاستشفائي محمد السادس بطنحة نموذجا في التوجه نحو جيل جديد من البنيات الصحية أكثر جودة وفاعلية.
في هذه الدينامية الملكية يوجد انشغال بالإنسان المغربي، ومن الصحة ينتقل الملك إلى عقد جلسة عمل حول إشكالية الماء أبرز تحديات الحياة البشرية ومستقبل الأجيال المغربية وتنميتها المستدامة، في ذلك الاجتماع يتم رصد غلاف مالي ضخم ومشاريع دقيقة من أجل الأمن المائي للمغاربة.
قال تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.
ومن أجل هذه الحياة، تشد انشغالات الملك رحالها إلى البادية، نحو المغاربة سكان العالم القروي، نحو الفلاحين مصدر الأمن الغذائي للأمة، في تلك الاستفسارات التي وجهها محمد السادس إلى رئيس الحكومة، والأجوبة الإجرائية التي حصل عليها، تظهر روح التضامن المجالي الوطني.
في القصر الملكي، يرأس الملك قبل أيام قليلة نشاطا من نوع استراتيجي آخر: عصر الريادة المغربية في صناعة السيارات، من العادي أن يتعامل البعض بتوجس مع الإعلان عن سيارتين مغربيتي الصنع، المغرب يدخل عالم صناعة الكبار، ويدخل حلبة التنافس العالمي، صناعة السيارات سوق رائدة في المغرب، لكن سيارتين من صنع مغربي هي انتقال نحو السرعة القصوى في جعل السيارات رافعة معاصرة للصناعة والتنمية في مغرب القرن 21.
التوجه الجديد في تصنيع العربات هو امتداد لاختيارات بدأت بعد أزمة كوفيد، مصنع اللقاحات بشراكة صينية في بنسليمان هو تموقع في الريادة العالمية لصناعة الأدوية، التوقعات تشير إلى أن المغرب سيكون ضمن القوى الدولية العشر في تصنيع الدواء عالميا. كل هذا محكوم برؤية ملكية متبصرة: توجه ملكي استراتيجي نحو تنويع بنية الاقتصاد ومصادر التنمية.
يحتاج هذا التوجه، الذي سيتبلور أكثر مستقبلا في قطاعات أخرى، إلى نخب تدبيرية جديدة في المقاولات العمومية الكبرى، في المجلس الوزاري الأخير افتتح الملك هذا التوجه من قطاعات الإعلام واللوجيستيك والعقار والقطاع البنكي، وقريبا سيشمل تجديد القادة في مواقع المسؤولية قطاعات استراتيجية أخرى.
ومن دون شك، فإن الذين توقعوا غرق “سفينة بلا ربان” سيغرقون في أوهامهم وإحباطاتهم أمام هذه الرؤية والدينامية، لكن وبدل التسليم بهذه الحقائق على الأرض، يستسلمون لنفسياتهم الأمارة بالسوء والوهم.
