بعيدا عن الأضواء، يقوم عبد الواحد الشرايبي، منذ سنوات، بنشاط ثقافي وفني ملحوظ، دون أن يسعى إلى الظهور، فهو بطبعه إنسان خجول يتحاشى تقديم نفسه لوسائل الإعلام، رغم أنه رجل تواصل بامتياز.
كتابه الجديد، أو ديوانه الثاني الموسوم ب”آه لو كان”، بعد ديوانه الأول وباكورة إنتاجه الأدبي “عقلي طار”، جاء في إخراج أنيق وتصميم جميل، وبلغة زجلية آسرة، وقد وقعه باسمه الكامل: عبد الواحد الشرايبي الهاشمي القريشي البوهالي.
ومما زاد صفحات الديوان الثاني بهاء أن القصائد كلها مكتوبة بخط مغربي عريق يجعل من قراءته متعة بصرية ووجدانية، تحلق بالقاريء نحو عوالم رحبة تتماوج فيها الرؤى والأخيلة والصور في انسجام وتناغم كأنها في عرس فني.
يسلك الشرايبي في نهجه الفني مسلكا واضحا، لا يتوارى خلف الغموض، أو تركيب الأبيات المغرقة في الأشكال السوريالية التي تكاد لا تقول أي شيء، ماعدا ملء البياض بسواد المداد.
إنه ينحت مفردات وتعبيرات وايحاءات لغوية و”صيحات زجلية” مستقاة من نبض الناس، في مختلف حالاتهم بين الأمل واليأس والفرح والحزن، يسكبها في قصيدة متلألئة بجواهر المعاني المستخلصة من تجارب الدنيا، كأنه صائغ يصنع قلادة ذهبية مرصعة بالحكم وثمار الفكر.
في مستهل عمله الزجلي الجديد، وفي صفحة حملت عنوان “وما أنا بشاعر”، يكتب إن هذه “الصيحات الزجلية” “عفوية على اختلاف دوافعها، من الفرح إلى القرح، ومن أول صيحة الولادة إلى آخر نفس في الحياة”.
وخلص إلى القول :”فالآن وأنا في ختام “سبعينيتي”، كلما أصبحت من مرقدي، إلا وأتساءل عن كنه ومعاني الشجرة وروائها في آخر “صيحاتي الزجلية” من هذا الديوان، الموسومة بـ”الختمة”، وهل لـ”البوهالي” من فخر ومجد سوى أنه كان ينطق بكلام ليس هو بناظمه”.
وإذا كان الناقد المعروف نجيب العوفي، هو من تولى وضع مقدمة الديوان الأول “عقلي طار”، فإن الدكتور فيصل الشرايبي، الأستاذ بكلية الآداب عين الشق ـ جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، هو من سطر تقديم الديوان الثاني،”آه لو كان”، بعنوان ” المتبتل في محراب الزجل”.
اختار محبر التقديم أن يخاطب صاحب الديوان بصفة مباشرة، معبرا له عن إعجابه بعطائه، وتقديره لعمله الخيري، وتنويهه بإبداعه الزجلي، وما اشتمل عليه من إشراقات شعرية وومضات روحية ونبضات فكرية.
ومما جاء في هذه الكلمة الموجهة من الدكتور فيصل الشرايبي إلى عبد الواحد الشرايبي: “لقد كانت علاقتي الأولى بزجلك حين أتحفتني بديوانك “عقلي طار” فكشفت به الغطاء عن وجه آخر كنت أجهله، وحين قرأت قصائده وتدبرت أسطره وشفعت ذلك بقراءة ديوانك هذا، وجدت نفسي أمام قمة أطلسية مغربية مراكشية، تسري بين عروق قصائدها سلافة شعراء الحضرة العباسية، ويتصادى بين معانيها رجع أعلام الزجل الكبار، المدغري والحنش والعلمي وغيرهم، من دون أن تذوب في خضم إبداعهم أو تسلبك قصائدهم شخصيتك أو تتوارى خلف عظمتهم، بل بارزتهم في حلبتهم ونلت شرف وراثتهم”.
وتوقف الدكتور فيصل الشرايبي في تقديمه للديوان عند العديد من عناوين ومضامين القصائد التي يضمها بين دفتيه، مستخلصا منها ما تحبل به من دلالات وأبعاد ومعان فكرية وإنسانية ومضامين اجتماعية بليغة.
ولعله من الظلم لهذه المقدمة اختصارها في فقرات معينة، بل ينبغي قراءتها كاملة، كما هي، وكما جاءت في الديوان، فهي لوحدها تشكل نصا أدبيا راقيا وأسلوبا جديدا في التقديم، يغوص عميقا في بحر الكلمات، ليستخرج منها ما تبوح به من التماعات إبداعية.
بقيت الإشارة إلى أن عبد الواحد الشرايبي، ابن المدينة الحمراء، الذي يلقب نفسه ب”البوهالي” خصص الصفحات الأخيرة من الديوان، لنشر شذرات من سيرته الذاتية، إعلاميا وناشرا ومنتجا ورساما، وباحثا ومؤرخا، مختصا في آل الشرايبي، عبر إصداره لسلسلة من الكتب عنهم.
ولم يغفل أيضا استحضار شهادات ومقالات تم تداولها في الصحافة عن الأصداء التي خلفها ديوانه الأول”عقلي طار” وسط المشهد الثقافي، مستعيدا ما كتبته بعض الأقلام عنه في إشادة بشكله ومضمونه.
كما اختار أيضا نماذج من شهادات عنه، أدلى بها بعض الأقارب والأصدقاء والمشاهير، ممن تعرف عليهم، أو عمل معهم في تخصصات عديدة، وفي سنوات مختلفة، على مدى مساره المهني والثقافي والإعلامي، وكلهم من الرموز والرواد.
ينتمي الشرايبي لسلالة أعطت الكثير من المبدعين، وهاهو يسير على نهجهم، مستقلا بشخصيته كفنان، مقتفيا خطواتهم، داعيا بشعره إلى لم شملهم، حفاظا على الذاكرة، وصونا لتراثهم من الاندثار.
