اكتشفنا بمناسبة كأس العالم للسيدات، أن عددا لابأس به من الجاهليين (نسبة للجاهلية، ونسبة للجهل، ونسبة للجهالة ونسبة لكل المشتقات) لازال يعيش بيننا.
بعضهم قال إن رؤية النساء وهن يلعبن الكرة حرام، والبعض الآخر ذهب بعيدا في تعظيم الجهل حتى نال منلاعبات منتخبنا الوطني، ومن الحكمة المغربية المشاركة في هذا المونديال بأقذع الأوصاف، وبشكل بذيء يكشف حقا أننا لم نقطع الوادي الشهير بعد، وأن الأرجل منا لازالت مبتلة.
صوت هاته الجاهلية يرتفع في مواقع التواصل أكثر، لذلك يظل افتراضيا يتخفى وراء الأسماء المستعارة، أوالحسابات الموجود أصحابها خارج الديار (يهربون إلى البلاد التي يصفونها بالكفر لكي يسبوا منهاإخوانهم المسلمين – فهم تسطا – )، ولحسن حظنا أن المغاربة في واقعهم المعيش، أي المغاربة الحقيقيين يعيشون حياتهم بالطول وبالعرض، وهم متخلصون من عقلية “كوزينتك” الغبية والرجعية، يكفي أن تطلعلى شواطئ ومسابح البلاد من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، لكي تفهم أننا لانعطي لغباءالجاهليين أي اعتبار، وأن المغربية والمغربي يعيشان حياتهما والسلام. ومع ذلك هناك مشكل في الحكاية كلها.
أصوات الظلام هاته التي تتحرك من وراء ستار في العالم الافتراضي هي ليست صوت الشعب، أو صوتالناس العاديين يعبرون من خلالها عن فكرة قد لاتروقنا، وقد نختلف معها، لكننا مجبرون على تقبلها إذا كنا فعلا مؤمنين بحرية التفكير والتعبير.
لا الحكاية أخطر بكثير، إذ هي تعبير تيار سياسي يتخفى في لبوس الدين كذبا وزورا وبهتانا، ويعلن منالقديم، أي منذ نشأته وازدهاره بداية سنوات الانحطاط في عالمينا العربي والإسلامي أنه لايقبل بأي مشروع مجتمعي غير المشروع الإخواني.
تصوره للمرأة معروف منذ البدء، مكانها بالنسبة له خيمة سوداء تغطي فيها كل شيء. عملها الوحيدبالنسبة له هو أن تطبخ جيدا (ومن هنا عبارة “كوزينتك” الغبية)، وأن تكنس جيدا، وأن تغسل ملابس سكان المنزل جيدا، وأن تتهيأ كل ليلة لاستقبال “البطل المغوار”، السيد بعلها بعد عودته إلى الديار، لكي تشتغل لهجسرا أو “كوبريا”، يمتطيه من أجل التكاثر والتناسل، والإتيان بأطفال (يستحسن أن يكونوا ذكورا) ،والسلام.
الصورة قد تبدو كاريكاتورية، لكنها فعلا حقيقة هذا التيار، وهي إذ تبدو اليوم صعبة التطبيق فعليا، إلاأنها “فانطازم” من الاستيهامات الثابتة في عقلية هذا التيار يداعب بها الفكر الذكوري القابع في دواخل كل واحد منا.
ذات يوم صرخ أحدهم في مستشفى عمومي مغربي في وجه طبيبة مغربية شابة “الله يلعن النهار اللي قريتو فيه ووليتو طبيبات”، بسبب شنآن عابر هناك حول الدور أو ماشابه.
هدأ المجتمعون في المستشفى من روع الرجل الذي اكتشفوا أنه يشتغل بائعا منذ الصغر لأنه غادر المدرسةقبل الوقت بوقت طويل، وشرعوا في “تبويس لحيته”، والتوسل إليه لكي يهدأ، وقال له أحد حراس المستشفى “ماتديش على الطبيبة راها غير مرا، وراك عارف العيالات كيفاش دايرات”.
القصة تتكرر دوما في أكثر من مكان دليلا على أن هناك مشكلا حقيقيا في دواخلنا جميعا، لابد من دفع القومدفعا رفيقا للشفاء منه بالعلم والدراسة والقراءة والاطلاع والفرجة والتعلم الكثير، ولابد من تدارك الوافدينالجدد قبل فوات الأوان لئلا يمسهم أذاه، ولايصلهم ضرره، ولامفر من تربية هذا التيار من جديد لكي يفهم أنالتي وصفها بناقصة العقل والدين، والتي يعتبر أنها لاتستطيع صنع أي شيءٍ جيد دونه، هي التي ولدته وأتت به إلى الحياة.
ولو كانت تعرف أن الكائن الذي سينزل من بطنها سيكون بكل هذا الغباء، لتوسلت المسكينة ربها أن يخلقها عاقرا، لكنها لن تفعل.
ستستغفر ربها، وستدعو لذلك الكائن بالهداية والعودة يوما إلى العقل. ستتسلح باختصار بحكمة النساء،وستقول في دواخلها “الله يسامح، هداك راه غير هبيل ماعارف والو”، وستواصل الحياة، والسلام، في انتظار أيام أفضل.
