إن الموقع الجغرافي للمغرب، جعله على مدى العصور والحقب مجالا لاستقبال العديد من الهجرات، سواء من المشرق أو الجنوب أو الشمال، وهو ما ساهم في إغناء الفسيفساء المغربية، ومنحها ذلك التعدد الخلاق، لغويا وثقافيا واجتماعيا.
غير ان التجربة التاريخية لهذا المغرب المتفرد، تفيد أنه كذلك كان مصدرا لهجرات مضادة للخارج، وهي هجرات وإن لم تكن بالكثافة الديموغرافية نفسها لموجات الهجرة نحو المغرب، إلا انها اتسمت بكونها كانت مؤثرة في المجال الحضاري الذي انتقلت إليه.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد التأثير البين للتدين المغربي في دول إفريقيا جنوب الصحراء، والمطبوع بآثار التصوف والمالكية والأشعرية، ونزوعه نحو الاعتدال، والتكيف مع الأعراف المحلية، بل إن التأثير الديني المغربي وصل حتى لحواضر إسلامية تعتبر من المركزيات الدينية الكبرى، ومن ذلك مصر، التي تنتشر فيها الطرق الصوفية، والتي في أغلبها مطبوعة بالميسم الشاذلي الذي تعود أصوله إلى القطب المغربي مولاي عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم بنواحي العرائش، اكثر مما هي مطبوعة بالميسم القادري الذي تعود أصوله إلى الصوفي العراقي عبد القادر الجيلالي.
أما في الاندلس، فإن آثار العمارة المغربية لا تزال شاهدة على التأثير المغربي في المشهدية الحضارية لتلك البقعة التي شكلت في زمن ماض مركزا حضاريا عالميا، ذلك أن النمط المعماري للمساجد والقصور والأحياء العتيقة لجنوب إسبانيا الحالية، والموروث عن الحقبة الاندلسية، لا نجد نظيرا له إلا في الحواضر المغربية مثل فاس ومراكش وتطوان وشفشاون وآسفي والرباط وسلا ومكناس وغيرها، وهو النمط المعماري نفسه الذي نقله المغاربة الذين ارتحلوا في العصر الوسيط نحو بلاد الشام، بحيث نجده في بعض مناطق سوريا وفلسطين التي استوطنها مغاربة من التجار أو المحاربين او الحجاج، الذين فضلوا الإقامة قريبا من المسجد الأقصى.
إن ما سبق يبين أن مغاربة العصور السابقة، حملوا “التمغربيت” معهم إلى المهاجر، وأن قوة الثقافة المغربية بروافدها المتعددة ساعدتهم في بناء نمط عيش لا يختلف عما ألفوه في موطنهم الأصلي، وبذلك لم يحافظوا فقط على روابطهم بالمغرب، بل استطاعوا ان يؤثروا في محيطهم ثقافيا ورمزيا وحضاريا.
وإذا كانت الهجرات السابقة مرتبطة بالتجارة والحروب والحج أساسا، فإن الهجرات المعاصرة كانت في بداياتها لدوافع اجتماعية واقتصادية في أغلبها.
وقد ابتدأ موسم الهجرات المعاصرة خلال فترة الحماية، إذ شارك مغاربة في الحروب ضد النازية بأوروبا، او تم إجبارهم على الانضمام إلى القوات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، في الصراعات الأهلية (إسبانيا) أو قمع الحركات التحررية ( الهند الصينية)، كما هاجرت أعداد كبرى للعمل في مناجم ومصانع ومشروعات إعادة تشييد البنيات التحتية بأوروبا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم تواصلت هذه الهجرات عقب حصول المغرب على استقلاله، وخصوصا في مناطق الريف وسوس.
وإذا كانت مواسم الهجرة نحو الشمال الأوروبي في بدايات الاستقلال، تغلب عليها حاجة أوروبا لليد العاملة التي تعتمد الجهد العضلي أساسا، فإن نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة ستعرف نمطا جديدا، يتميز بهجرات في صفوف الطبقة المتوسطة والمتعلمة، إما بدافع إكمال الدراسة، أو بإغراء فرص العمل في المختبرات والجامعات ومراكز البحث المتقدمة.
وإذا كان الجيل الخامس للهجرة، والذين وصل آباؤهم إلى المهاجر الأوروبية بداية الخمسينيات والستينيات، يختلف اليوم عن جيل الآباء، من حيث النجاحات المهنية والرياضية والسياسية والعلمية، ومن حيث الارتقاء في المصعد الاجتماعي، فإن الجيل الذي هاجر في التسعينيات والألفية الجديدة سواء نحو أورويا او الخليج أو أمريكا الشمالية، يغلب عليه طابع “التنخيب” اكثر منه طابع “العمالة”، ولا يعني هذا الانتقاص من قدر العمال المغاربة بالخارج، الذين كانت لهم مساهمات كبرى في دعم الاقتصادي الوطني، بقدر ما هو توصيف لتحولات الهجرة المغربية نحو الخارج.
إن هذا الوضع، وهذه التحولات، يجب ان نلتقط مؤشراتها، والتي تفيد بضرورة القطع مع الصورة النمطية حول المهاجر المغربي في الخارج، والتي يتم اختزالها في صورة العامل الكادح، الذي يكد طول السنة، من أجل جمع المال الذي سيستثمره لاحقا في بناء مسكن بالمغرب وإدارة مشروع تجاري او عقاري حين العودة “الحتمية” إلى ارض الوطن.
لقد انتهى زمن “المهاجر المؤقت”، وهو ما كان يعبر عنه بصيغة جماعية: “العمال المغاربة بالخارج”،وانتقلنا إلى نمط المهاجر الدائم,
وبعبارة أخرى، انتقلنا من “العمال المغاربة بالخارج” إلى “الدياسبورا المغربية”.
وحين نستعمل مفردة “الدياسبورا”، فللدلالة على أن مغاربة العالم لم يقطعوا روابطهم بالمغرب، وهو ما يظهر في احتفالاتهم الدينية والوطنية، وفي المحافظة على نمط الحياة المغربية على مستوى الأكل والازياء وسائر العناصر المادية الرمزية الهوياتية.
لقد سبقتنا شعوب وتجارب إلى الانتقال بالهجرة من “الاضطرارية” إلى “الدياسبورا”، وكمثال على ذلك الدياسبورا اليهودية، والدياسبورا التركية.
وقد استفادت دول هذه “الدياسبورات” منها، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، من خلال ما تضخه من عملات صعبة، بل كذلك على المستوى السياسي، من خلال بناء لوبيات تخدم المصالح الوطنية، وعلى المستوى الدبلوماسي من خلال تحولها إلى وسيط بين دول الإقامة، ودولة الأصل، وعلى مستوى القوة الناعمة، وكذلك على مستوى نقل الخبرات العلمية والتكنولوجية.
ولذلك فإن العناية الملكية بمغاربة العالم، لا تنبع فقط من كونهم مغاربة كباقي المواطنين، وهو ما يحرص عليه جلالته باعتبار ان المغاربة سواسية في الحقوق والواجبات، بل يتعدى ذلك إلى منظور استراتيجي، يتغيا بناء قطب آخر من أقطاب المغرب الصاعد، وهو قطب الدياسبورا المغربية.
إن المنظور الملكي، لا يقف عند حدود ما يمكن أن تحصله الميزانية العامة للدولة من تحويلات مغاربة العالم بالعملة الصعبة، او ما يمكن أن نستقطبه من استثمارات يقوم بها هؤلاء المغاربة استفادة من تسهيلات معينة.
فالمنظور الملكي أوسع من ذلك بكثير، ويستهدف تحول الدياسبورا المغربية إلى عنصر قوة وطنية، اقتصاديا وثقافيا ودبلوماسيا وسياسيا.
قوة تؤثر في القرار السياسي والاقتصادي في بلدانها لمصلحة المغرب، وتنقل الخبرات والتجارب والاستثمارات لوطنها.
إن ما يقدمه مثلا لاعبو المنتخب المغربي المزدادون بالمهاجر، ما هو إلا مختبر بسيط لتحولات الدياسبورا المغربية، ولتغير الرؤية المغربية لاستثمار هذه القوة ضمن استراتيجية المغرب الصاعد.
الدياسبورا المغربية والمغرب الصاعد
بواسطة
الإثنين 6 يوليو, 2026 - 19:03
آخر الأخبار
الزيات يتوصل لاتفاق مع نجم "الكوديم"
توصل جواد الزيات، رئيس الرجاء الرياضي لكرة القدم، في إلى اتفاق مع الظهير الأيسر شمس الدين قنديل لاعب النادي المكناسي لتعزيز صفوف الفريق الأخضر خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية. وتعاقد الرجاء مع قنديل لسد الفراغ الواضح الذي تركه رحيل الظهير الدولي يوسف بلعمري صوب الأهلي المصري، وهو المركز الذي ظل يؤرق مضجع الطاقم التقني للنسور […]
لقجع يحفز اللبؤات للتتويج بلقب كأس إفريقيا وضمان بطاقة العبور للمونديال
قام رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع بزيارة لبعثة المنتخب الوطني النسوي قبل خوض غمار منافسات كاس افريقيا للامم 2026 والتي ستنطلق غدا بالمغرب بمباراتي منتخب السنغال امام الجزائر، ومباراة المنتخب الوطني الذي سيواجه منتخب كينيا. وأكد رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في كلمته التحفيزية على ضرورة بذل اقصى الجهود من اجل […]
نجم اتحاد تواركة ينتقل إلى لوزان السويسري
أعلن نادي لوزان السويسري عن تعاقده رسميا مع الدولي المغربي حسام الصادق، قادما من نادي اتحاد تواركة، بعقد يمتد لأربعة مواسم رياضية، في خطوة تدشن أولى تجاربه الاحترافية في الدوري الأوروبي. وجاء هذا التعاقد بعد المستويات اللافتة التي قدمها خريج أكاديمية محمد السادس لكرة القدم رفقة الفريق التوركي، إلى جانب تألقه الاستثنائي مع المنتخبات الوطنية […]
