AHDATH.INFO – حاورته سكينة بنزين
فرحة عارمة، سرت في جسد أفريقيا واستقرت بقلب العالم العربي، بجرعة أمل غير مسبوقة، غذتها “نية صادقة” لأسود عقدوا العزم على تحقيق المحال الذي ردد الجميع أنه ليس مغربيا.
لازمة رددتها الأجيال لعقود، في كون الساحرة المستديرة لها مفعول العجب العجاب، لكن لا أحد كان يصدق أن هذه الفرحة ستتراكم وتنتشر لتلغي كل الحدود والفوارق، لتتوالى الصور والفيديوهات من كل أنحاء العالم، توثق لسيل من الفرح والتهاني والتبريكات التي رأت في الفرح المغربي انعكاسا لفرح يعنيها، وإن كانت تقف على طرفي نقيض من حيث الانتماء والمواقف.
في الحوار التالي نحاول رفقة الباحث السوسيولوجي، عبد الرحيم بورقية، تفكيك طبيعة هذه الفرحة “العابرة للقارات والانتماءات”، وعلاقتها بكرة القدم التي طالما أثارت شعبيتها غضب البعض من الراغبين في توجيه الجماهير اهتمامات يرونها أكثر أولوية، كما يسلط الضوء على الحضور النسائي اللافت داخل الملاعب، وبعض من الحالات “المتمنعة” عن الفرح…
المتتبع لطبيعة النقاشات على مواقع التواصل والشارع، يلاحظ تغيرا واضحا في أحاديث الناس اليومية التي انتقلت من الحديث من همومها اليومية، إلى الحديث عن تفاصيل الكرة ومشاركة الفرحة بطريقة تطرح التساؤل هل يمكن للفرحة كما الإحباط أن تكون معدية؟وما هي تداعياتها على المزاج العام للمجتمع؟
نعم هي كذلك الفرحة، كالإحباط والغمة، معدية. وهي في نظري من أقوى العلاجات والمضادات الناجعة والفعالة لتجاوز الفترات العصيبة. والطموح للأفضل والعمل و الثبات والعزيمة والإصرار والإيمان الراسخ، ليس بالضبط الديني، بظرفية صعوبات التي نواجهها ووجود سبل التغلب عليها، هو أول طريق للخروج لمعانقة حياة أفضل
وبالعودة إلى الجو العام الذي يواكب مباريات المنتخب الوطني، نرى أن جل الشعب، إن لم أقل الشعب المغربي قاطبة، مغاربة المهجر كذلك، ينسون دون شك، ولو بشكل مؤقت خلال 90 دقيقة من المباريات، مشاكل الحياة اليومية، غلاء المعيشة، الأسعار المرتفعة للبنزين رغم انخفاض سعره عالميا, الثلج، البرد، برودة الإنسان، وجبات الطعام التي لا طعم لها، ويصدحون بألوان واعتزاز الانتماء لهذا الوطن نتشارك مًعا شعور “الأمة” الموجود. رغم أن هناك من يحاول جاهدا، عن وعي أو غير وعي، بتصرفاته، ولا مسؤوليته وعدم احترامه لنفسه وللآخرين وللمهمة التي وكلت له، بخدمة هذا الوطن والصالح العام، زرع اليأس والإحباط في الأفراد والمجتمع.
لكن لقد رأينا صور المغاربة في كل مكان ينشدون ويشيدون بالانتماء لهذا الوطن، دون مزايدة أو لغط أو ابتزاز. خاص عندما يرى مدربا مغربيا وطاقم تقني ولاعبين مئة بالمائة مغاربة، ويدرك أن اللاعبين يحملون بشرف وفخر القميص الوطني بكل رمزيته.
قد تكون مهمة حصد رضا المواطنين صعبة وتتطلب مجهود سنوات، على عكس الانتصارات الرياضية التي يمكنها حصد رضا الملايين في دقائق، ما سبب هذا المفعول الساحر لكرة القدم دون غيرها من الرياضات؟
شعبية كرة القدم ترجع للَمشاِهد الجمالية والدراماتيكية التي تتخلل مجريات المباراة والتي تتأرجح مباشرة على مرأى الجميع، في انصهار والتحام تام للجمهور واللاعبين والطاقم التقني ، مما يجعلها” فرجة كلية”. والذي يجعل المتفرج، بنسبة كبيرة من يتواجد في الملعب، علما أن هذا لا ينفي الانصهار الكلي عندما نشجع الفريق الذي يمثلنا عبر الشاشة، الذي يشارك في الملحمة التي تدور أمامه ويحس بأنه طرف فاعل ومؤثر “، لأنه بصوته و أهازيجه وتشجيعه يسعى إلى تغيير مسار المباراة لصالح فريقه.
المباراة هي قصة تتكرر وتنفرد في آن واحد: هناك وحدة المكان، الزمان والحركة. هذه الأخيرة، وحدة الحركة تعزز الصلة الحميمية بين اللاعبين فوق البساط الأخضر والمشجعين الكل مشارك والكل معا في دقائق المباراة، مما لا نجده مثال في سباق الدارجين أو الغولف.
ومن المشاهد الجمالية ذلك العشب الأخضر و ألوان القمصان والجوارب والكرة التي تتأرجح بين الأرجل،كما روضها البرازيليين والأرجنتيين بلمسات بيلي، مارادونا، سوكراتيس او زيكو، رونالدو،رونالدينو، ريكيلمي او ميسي و”تنط” من مكان إلى آخر وتسكن شباك الحارس أو ترتطم العارضة، يتبعها أهات حسرة أو ارتياح. أشياء تضفي “التوابل اللازمة” وبالضبط “الفلفل العاطفي” الذي لا يمكن وجوده البتة في رياضات أخرى. كرة القدم هي دراما مثالية بكل المقاييس، وتتوفر كما قال أرسطو على “الأبعاد الجيدة” لذلك.
خلال الاحتفاء بلحظات الفوز، ظهر التزايد الكبير للنساء داخل الشوارع، كمختص قريب من الميدان ومتابع للشأن الكروي، هل هذا الحضور يعكس اهتماما نسائيا بالكرة، أم فرصة لتقاسم فرح رياضي ممزوج بروح وطنية؟
النساء يهتمن بالكرة كذلك، هن كذلك يعشقن الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ومخطئ من يعتقد العكس، قابلت نساء شابات ومراهقات في ملاعب المملكة؛ صحيح أن الشغف يختلف حسب السن، الجنس والوسط الاجتماعي، لكنه موجود، لأنه مجال للتعبير والتنفيس بغض النظر عن الجنس. وحب الكرة لا يعترف بالحدود الطبيعية، الجغرافية، العرقية والجنسية، لأن الميولات والتوجهات والهوايات لا تتوقف على جنس دون الآخر، ولا أعتقد اعتقد أن الشغف مرتبط بالجنس، لكن المجتمع هو من يصوغ هذه النظرة السلبية.
يحضرني وصف الأستاذ الكبير عبد الله العروي في روايته “الفريق” ما نفهم منه أن الملعب مكان لا تتواجد فيه النساء العفيفات، لكن العقليات تتغير مع الوقت والاحتكاك بالآخرين والانفتاح على ثقافات أخرى، حيث تذهب النساء اليوم إلى الملاعب للفرجة والاحتفال والمشاركة في انتصار الفريق؛ وكما قلت هي فرصة لتقاسم الفرحة مع المغاربة وإظهار الروح الوطنية
في ظل الفرح العام، نجد أصواتا “متمنعة” عن الفرحة بمبرر أن بعض الانجازات لا تعود بالنفع المباشر على الفرد، هل يعكس هذا القول في نظرك موقفا لا شعوريا للفرد من محيطه في ظل مراكمة خيبات شخصية؟
“كل إناء بما فيه ينضح”، الإنسان يتعامل بما تجيد به قريحته وتكوينه وتفكيره وتربيته، الخيبة والفشل في الحياة وارد وممكن تجاوزه، لكن لا يبرر أن ننكد على الآخر وننغص عليه فرحته.بالقدر الذي افهم من لا يريد مشاركة الآخرين هذه الفرحة وينزوي في ركنه البعيد ويمتنع ولا يتفاعل ايجابيا، بالقدر الذي لا أجد مبررا لمن يستكثر على الناس فرحتهم ويبخس عليهم الوطنية التي وجدوا الفرصة للتعبير عنها دون مزايدة أو ابتزاز ودون انتظار مقابل لأنهم يحبون هذا الوطن الذي ننتمي إليه رغم كما قلت توالي الخيبات في ظل تسيير لا يرقى لمواكبة العصر واحتياجات الشعب؛ ونجاح المنتخب الوطني يدل على أن قطاعات أخرى قد تنجح إذا أسندت الأمور إلى أهلها وذوي الاختصاص ومن يعمل للصالح العام.
والفرحة التي نعبر عنها تزكي العمل الذي قام به الفاعلين الرياضيين منذ أزيد من عقد من
الزمن، وهنا يجب الإشادة بعمل أكاديمية محمد السادس وأطرها دون نسيان بصمة ناصر الركيت الذي قام مع فريق عمله بعمل ممتاز.
يرى البعض في الانجراف خلف الفرح، نقطة تماس مع التعبير عن الوطنية، إلى أي حد قد يكون هذا المعيار صادقا؟
لا أرى أنه يجب المزايدة في هذا الأمر فهو ليس معيارا للوطنية، لأن كل فرد حر في التعبير عن نفسه كما يريد، ولا اعتقد أنه من السليم جعل التعبير عن فرحة انتصارات المنتخب معيارا للوطنية، وبكل تأكيد لا يجب أن يستغل هذا النجاح من البعض لقول أن كل شيء على ما يرام، لدينا عمل كبير ينتظرنا للنهوض بهذا الوطن والبلد الجميل. ونجاح المنتخب الوطني هو نجاح عمل جماعي وثقة متبادلة بين كل مكونات الوسط الكروي؛ وحبذا أن لا يكون هذا العمل المشكور والمتميز الشجرة التي تخفي الغابة؛ لا ابخس قدر النجاح و الفرح وأعيش الجو كأي مغربي يحب البلد ويريد أن يرفع علمه في جميع الميادين.
لا تمر بعض المناسبات التي تعكس فرحة عامة، سواء كانت رياضية أو فنية، دون فتح القوس من طرف بعض الأصوات لعقد مقارنات قد يصفها البعض بـ”النشاز”، والتي ترى في امتلاء الملاعب والتجاوب الضخم مع الأحداث الرياضية، مقابل خلو بعض الفضاءات مؤشرا” للرداءة أ والاهتمام بالأمور السطحية”، في نظرك هل من الضروري أن تكون جاذبية مكان مبنية على طمس جاذبية مكان آخر، أم أن هناك عوامل موضوعية تجعل الانجراف نحو فضاء دون آخر في معزل عن المقارنات التي تشوش على فرحة لها سياقها؟
لا أعتقد البتة أن المقارنات مبنية على أسس موضوعية بل هي في نظري على تصور شخصي يعكس رؤية الفرد للآخرين الذين لا يشاركونه الميولات والتوجهات والأفكار، و”يقصفهم” على أنهم على غير صواب وأنه حري بهم فعل هذا الشيء دون الآخر وهذا في حد ذاته إقصاء لهم وله عنهم؛ من حقه التعبير كما يريد لكن لا أن يوزع وبثمن عمل هذا وذاك ويترك من يريد أن يحتفل يحتفل، لا أن يصادر هذه الفرحة التي تنفس قليلا عن المواطنات والمواطنات الذين هم بحاجة لمجال للترفيه ولاستعادة الإحساس بالوطنية التي في ظل الأزمات نسائل أنفسنا ،عن ” بعض الذين” وليس الكل، مسؤولين وأغنياء وأناس عاديين، هل هؤلاء الذين نتشارك معهم الوطن والهويات والثقافات ينظرون إلينا على أننا منهم؟
الأصل هو الاختلاف، وكل له الحق في الاهتمام بما يريد، ويعشق ما يريد من أشكال الإبداع والرياضات والفنون، أو أن يمتنع عن أي منها وان يختار المساجد والخزانات وينمي عقله ويتعامل ويتجمل بما يجود به الدين الحنيف من مكارم الأخلاق في التعامل مع الآخرين وتطهير القلوب، ويوجد في الكتب من أفكار وعلوم إنسانية تساعد على توسيع المعارف وزاوية وجهة النظر لتقبل الأخر المختلف، وهواياته وميولاته بشرط أن لا يسعى هذا الآخر المختلف لفرضها.
