يولي جلالة الملك محمد السادس عناية خاصة لقطاع الطاقات المتجددة والنظيفة، وذلك من أجل تمتيع المملكة بحاجياتها من الطاقات النظيفة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية المحددة في مجال تطوير الطاقات المتجددة لاسيما ما تعلق منها برفع حصة هذه الطاقات إلى أزيد من 52 بالمائة من المزيج الكهربائي الوطني في أفق 2030.
نحو السيادة الطاقية
تعتبر مختلف المشاريع التي أطلقت خلال الخمس وعشرين سنة الماضية أكبر شاهد على حرص وتتبع جلالة الملك لهذا الورش الذي يندرج في سياق السيادة الطاقية للمملكة قصد تقليص التبعية للأسواق الدولية وتقليص الفاتورة الطاقية في هذا المجال. والأمثلة هنا عديدة ومتنوعة تتوزع بين ما هو شمسي وريحي وكهرومائي، إضافة إلى التوجه الأخير المتمثل في تحلية مياه البحر والقطاع الواعد للهيدروجين الأخضر واستخداماته.
المملكة، ومن خلال توجهها الأخضر هذا والمدفوعة بالتوجيهات الملكية بحكم ما تراكم لديها من تقدم في هذا المجال وبحكم ما حباها الله به من شمس ورياح ومياه بحار، لا تسعى فقط لتأمين حاجياتها الطاقية النظيفة، بل تسعى إلى دخول نادي الكبار في المجال والتموقع في الاقتصاد الدولي الخالي من الكربون خلال العقود القادمة وبلوغ أكبر مستوى من التنافسية بغية استقطاب مزيد من الاستثمارات الوطنية والأجنبية في هذا القطاع.
ولأجل ذلك، ما فتئ جلالة الملك يعقد جلسات عمل ويعطي تعليماته من أجل تطوير العرض المغربي من الطاقات المتجددة وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع التي توجد قيد التطوير.
فبعد نور ورزازات الذي يعد واحدا من أكبر الحقول الشمسية في العالم، تم توجيه البوصلة نحو طاقات أخرى ريحية وبحرية ليتوج ذلك بانفتاح المغرب على البديل الجديد، الهيدروجين الأخضر.
رائد إقليمي
نهج المغرب منذ تولي جلالة الملك العرش قبل ربع قرن من الآن سياسة ناجحة في مجال تطوير الطاقات المتجددة، بل أصبحت المملكة نموذجا رائدا على المستوى الإفريقي والجهوي في مجال التحول الطاقي، نظرا للمشاريع التي أطلقتها في هذا المجال قبل سنوات.
وقد تمكن المغرب، بفضل الرؤية المستنيرة لجلالة الملك محمد السادس واستراتيجية المملكة الطموحة للطاقة، من الارتقاء إلى مرتبة الرائد الإقليمي في مجال الطاقات المتجددة. وهو ما تؤكده شهادات العديد من المؤسسات الدولية والفاعلين في المجال، والذين يعتبرون المملكة من بين البلدان الأفضل تموقعا في مجال الطاقات المتجددة وخاصة ثورة الهيدروجين.
وكانت المملكة في طليعة البلدان التي لجأت إلى استغلال المؤهلات الشمسية والريحية على نطاق واسع، وتطمح لبلوغ أزيد من نصف مزيجها الطاقي من الطاقات المتجددة متم العقد الجاري، ومن ثمة تحقيق أهداف أكثر راهنية ومصيرية تهم مكافحة التغيرات المناخية.
الهيدروجين الأخضر.. طلب عالمي
المغرب وبعد أن تأكد تفوقه في مجال الطاقة الشمسية، مركب نور بورزازات، والطاقة الريحية، المراوح التي تنشر شمالا وجنوبا في عدة مناطق من المملكة، يوجه اليوم بوصلته نحو الهيدروجين الأخضر الذي يسعى فيه المغرب ليكون فاعلا رئيسيا في تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر على المستوى الإقليمي، مدفوعا في ذلك بإيمانه ويقينه أن بإمكانه تلبية حتى 6 في المائة من الطلب العالمي على الجزيئات الخضراء.
وقد طور المغرب نموذجا للطاقة يتلاءم مع إنتاج الهيدروجين الأخضر، يعتمد بشكل أساسي على ازدهار الطاقات المتجددة. وتفتح خارطة طريق «الهيدروجين الأخضر، محرك التحول الطاقي والنمو المستدام، التي اعتمدتها المملكة، آفاقا كبيرة فيما يتعلق بالتصنيع في جميع أنحاء سلسلة القيمة، لاسيما تحلية المياه، والطاقات المتجددة (الكهروضوئية والرياح)، والتحليل الكهربائي، والكيمياء الخضراء.
وطور المغرب كذلك دينامية إقليمية من أجل إحداث قطاع اقتصادي وصناعي حول الجزيئات الخضراء، وخاصة الهيدروجين والأمونياك والميثانول. وهي تهدف إلى تعزيز التحول الطاقي، من خلال المساعدة في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ودعم إزالة الكربون من البلدان الشريكة.
ويزخر المغرب بفرص هائلة في قطاع الهيدروجين الأخضر، مما يجعله شريكا ذا أولوية في الحوض الأورومتوسطي، يوفر للمستثمرين مناخا تجاريا تنافسيا وملائما مع العديد من المزايا من حيث الأعمال الخضراء.
اعتراف دولي
صنف مجلس الطاقة العالمي، في إطار دراسته «خارطة الطريق باور-تو-إكس»، المغرب كواحد من ست دول ذات إمكانات قوية لإنتاج وتصدير الهيدروجين والمشتقات الخضراء.
ومن شأن هذا الزخم الطاقي الجديد والمتميز الذي اعتمده المغرب تعزيز انبثاق مشاريع بالغة الأهمية تستجيب للرهانات الكبرى الماثلة أمام الصناعة المحلية، وبالخصوص على مستوى تخليص الصناعة من الكربون وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة ذات مرونة وقدرة على التأقلم، وعلى مستوى أولويات النموذج التنموي الجديد للمملكة. وسيساهم هذا الزخم بلا شك في بلوغ الهدف المنشود والرامي إلى جعل المغرب القاعدة الصناعية الخالية من الكربون الأكثر تنافسية في العالم ومن ثمة تطوير أقطاب صناعية تنافسية تساهم في ابتكار سلاسل قيمة تستهدف الإسهام في تخليص الصناعة من الكربون.
وقد أطلقت المملكة أول تجمع للهيدروجين الأخضر بإفريقيا «Cluster Green H2»، يضم فاعلين وطنيين ودوليين، من القطاعين العام والخاص، وذلك بهدف العمل على جميع التطورات التكنولوجية في هذا القطاع الاقتصادي والصناعي الواعد للغاية، مع التطلع لأن تصبح فاعلا رئيسيا في تصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا بتكاليف جد تنافسية.
