العدالة المجالية وثنائية المركز والهامش

بواسطة الإثنين 23 فبراير, 2026 - 09:52

لم تعد العدالة المجالية خطابا أو شعارا سياسيا يرفع في المناسبات الانتخابية، بل أضحت ضرورة حياتية ملحة وعنصرا أساسيا في ترسيخ السلم الاجتماعي وضمان الاستقرار الاجتماعي. 

الفوارق المجالية الصارخة بين الجهات لا تنتج فقط اختلالات اقتصادية، بل تفرز توترات اجتماعية وشعورا بالإقصاء، قد يقوضان الثقة في المؤسسات ويضعفان الإحساس بالانتماء للوطن الواحد.

إن العدالة المجالية تعني، في جوهرها، تمكين كل جهة من فرص تنموية متكافئة، بما يسمح بنموها بالوثيرة والسرعة نفسيهما، وفق مؤهلاتها وخصوصياتها. فالتنمية المتوازنة تخلق تكاملا بين الجهات بدل أن تكرس تمركز الثروة والخدمات على محور مركزي ضيق، مثل الشريط الممتد بين مراكش وطنجة، بينما تتحول مناطق أخرى إلى هوامش مثقلة بالتهميش وضعف البنيات. وعندما تتوزع فرص الاستثمار، والبنيات التحتية، والخدمات العمومية بشكل عادل، تتحول الجهات إلى روافد قوة وطنية متكاملة بدل أن تكون عبئا على المركز.

غير أن تحقيق العدالة المجالية يقتضي أولا القطع مع عقلية ثنائية “مركز/ هامش”. فهذا التصور، الذي يفترض وجود مركز منتج وقوي يقابله هامش ضعيف ومستهلك، تفكير مجحف يعمق الاختلال بدل معالجته. الأصل أن كل منطقة هي مركز بالنسبة لمجالها الحيوي، بما تتوفر عليه من موارد طبيعية وبشرية وثقافية. الاعتراف بهذا المعطى هو الخطوة الأولى لإعادة توزيع الأدوار وتعزيز الثقة في قدرات الجهات على صناعة تنميتها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل الجهوية الموسعة من منطلق تنموي اقتصادي واجتماعي وثقافي، لا باعتبارها مجرد تقسيم إداري صوري. فالجهوية الحقيقية تعني نقل الصلاحيات والموارد والقرار إلى المستوى الترابي، وتمكين الجهات من بلورة سياساتها العمومية وفق حاجياتها الخاصة. وهي بذلك مدخل لإطلاق دينامية تنموية قائمة على القرب من المواطن، وحسن تشخيص الإكراهات، وتثمين المؤهلات المحلية.

كما أن العدالة المجالية تظل رهينة بتحقيق اللامركزية واللاتمركز الإداريين بشكل فعلي، عبر إعادة توزيع السلط والاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الترابي. غير أن هذا المسار لا يكتمل دون التركيز على الثقافة المحلية بكل مكوناتها، باعتبارها رافعة أساسية للتنمية. فالرأسمال المادي من موارد طبيعية وبنيات تحتية لا يقل أهمية عن الرأسمال اللامادي المتمثل في التراث، والهوية، والمعارف التقليدية، وروح المبادرة المجتمعية. تثمين هذا الرأسمال يمنح الجهات شخصية تنموية متميزة ويعزز قدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل.

إن العدالة المجالية، بهذا المعنى، ليست مجرد خيار تقني في تدبير المجال، بل مشروع مجتمعي يعيد الاعتبار لكل جهة، ويحول التنوع إلى مصدر قوة، ويؤسس لتنمية متضامنة ومستدامة. إنها الطريق نحو وطن تتكامل فيه المراكز بدل أن تتصارع، وتتقاسم فيه الجهات ثمار النمو بدل أن تتفاوت في نصيبها من الأمل.

لقد سبق لعاهل البلاد أن تحدث بشكل واضح عن خلل مغرب بسرعتين. وهذه رسالة موجهة لكل الفاعلين من أجل رفع سرعة المناطق المتخلفة عن الركب. والأمر يتطلب عملا مؤسساتيا ينخرط فيه الجميع بتصور ينطلق بداية من تحقيق قطيعة مع ثنائية مركز/ هامش أو مغرب نافع وآخر غير نافع…

آخر الأخبار

بنسبة تتجاوز 17 في المائة .. المغرب يسجل ارتفاعا في صادرات قطاع السيارات
 أفاد مكتب الصرف بأن صادرات قطاع السيارات بلغت 93,65 مليار درهم عند متم يونيو 2026، مسجلة ارتفاعا بنسبة 17,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وأوضح المكتب، في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، أن هذا الأداء يعزى إلى ارتفاع مبيعات قطاعي البناء بنسبة زائد 26,7 في المائة إلى 37,93 مليار درهم، […]
عيد العرش المجيد .. الأحزاب السياسية تشيد بمضامين الخطاب الملكي السامي
أشادت عدد من الأحزاب السياسية بمضامين الخطاب الملكي السامي، الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى شعبه الوفي، بمناسبة تخليد الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد. ونوهت مختلف الأحزاب السياسية بدعوة جلالة الملك، في خطابه السامي، إلى تفعيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بما يرسخ العدالة المجالية، فضلا عن تعزيز السيادة الوطنية […]
ردا على اليمين المتطرف الإسباني.. حملة "#ماتكيدش" تفكك رواية التضليل في أحداث سبتة
في أول رد له على الحملات الدعائية الممنهجة التي قادتها أوساط من اليمين المتطرف الإسباني عقب أحداث سبتة، بادر نشطاء “اليمين القومي المغربي” على منصات التواصل الاجتماعي إلى إطلاق حملة “#ماتكيدش”، في خطوة تهدف إلى تفكيك الرواية التي رافقت موجة العبور الجماعي، وتحويل الفضاء الرقمي من منصة لتسويق الأوهام إلى ساحة لمواجهة التضليل وكشف حقيقة […]