عدت هذا الصيف إلى أصيلة الجميلة بعد غياب خمسة مواسم صيفية عنها، أنا الذي اعتدت العبور منها في فصل الحر، ولو يومين فقط، على سبيل تقليد أرساه الوالد رحمه الله وحافظت عليه ونقلته إلى الصغار.
وجدت أصيلة الصغيرة (اللي محاينها كبار) مثلما يقول أبناؤها عنها، كما تركتها في المجمل، دون كثير توقف عند التغير العمراني الذي يشبه ما يقع في المدن المغربية الأخرى.
القريقية لازالت في مكانها تطل بشموخ على الأطلسي وتغري وافدين جدد متجددين بالإطلالة منها. قصر الريسوني أو قصر الثقافة في مكانه يتذكر الكبار الذين عبروا. سيدي العربي غيلان، الزاوية، وقشعريرة الزيارة تتكرر كما أول مرة. الحواري البيضاء الضيقة، والأزقة الصغيرة الجميلة لازالت بكل كرم قادرة على منح الحب الحقيقي لمن يستطيع إلقاء القبض عليه. فندق «الخيمة» قرب محطة القطار لازال يستقبل ويودع الزوار والبحر يترنح أمامه جيئة وذهابا. الناس، «الزيلاشيون»، لازالوا ينظرون بنفس العين إلى هؤلاء الغرباء الضروريين كل صيف من أجل العيش، وبقية الأمور في أماكنها لم يتغير فيها إلا غياب من رحلوا، وما أكثرهم للأسف الشديد.
شيء واحد غاب عن المدينة هاته المرة بشكل واضح، أرعبني: باعة الصحف والكتب والمجلات.
عهدي بأصيلة، واسمها الذي أطلقه عليها مهرجانها هو مدينة الثقافة والفنون، أنها كانت مدينة قارئة باستمرار. لذلك ارتعيت من هول المشهد.
نعم، قبلت المشهد في مدن أخرى، حتى في مسقط الرأس مكناس، أن تتحول المكتبات ومحلات بيع الصحف والمجلات إلى متاجر بشعة ورديئة لبيع «طاكوس» و«شاورما»، لا علاقة لهما بهاتين الأكلتين الحقيقيتين، لكن الأمر لم يمر بالنسبة لي في أصيلة.
لذلك أمضيت اليومين اللذين جلستهما هناك أبحث عن الذين اعتدت اقتناء الصحف والمجلات من محلاتهم منذ الصغر.
لم أجد.
انقرضوا، كما تنقرض هاته الحرفة أو تكاد.
جلست في أحد مقاهي المدينة قبالة ما كان محلا كبيرا لبيع الصحف والمجلات القادمة من العالم كله، وليس من المغرب فقط، أسأل نفسي: متى أصبحت الغلبة للطاكوس والشاورما بهذا الشكل الكئيب، القبيح، المرعب والرهيب؟
لم أجد أي جواب، مع أني أرغمت نفسي على البحث عن ردود جاهزة تعفيني مشقة التفكير الحزين: مستوى الصحافة الذي نزل، انقراض الأقلام التي تستحق القراءة، الأنترنيت اللعين والأصبع الأكثر لعنة النازل الصاعد في «تيكتوك» يبحث عن السهل من الأخبار دون قراءة ودون بذل أي جهد…
ومع ذلك لم أقتنع: ففي هذه المدينة بالتحديد رأيت الكتب والصحف والمجلات تصنع المجد لأصحابها وللمحيطين بهم، لذلك شق على النفس الاقتناع بأنها هي الأخرى أصبحت مجرد مكان لالتهام الطاكوس والشاورما الرخيصين والرديئين، وهضمهما بصعوبة، ثم التخلص منهما في الخلاء، ومعاودة الكرة من جديد.
شق علي الأمر حقا، لكن «هاد الشي اللي عطا والسوق»، بكل تسليم حزين وأليم.
لعله فقط المناخ العام المساير للردة والانحطاط في أكثر من مجال، وقد أصبح كارها للثقافة وللفنون، لذلك لا اعتراض، والسلام.
«آرا عليها شي طاكوس، وصافي»، فالقراءة أصلا فعل ضار ومزعج لمن ألف الراحة والارتياح.
