قضية الإنشاد أو التأويل الإيقاعي لشعر الملحون

بواسطة الأربعاء 29 يناير, 2025 - 14:11

غالبا ما يختلط الأمر لدى عامة الناس ولدى المتخصصين من الباحثين أحيانا عند تحديد الفوارق والحدود بين الشاعر؛ “النَظَّامْ” والمنشد؛ “الْكَرَّاحْ” أو “الْكْرَايْحِي” أو بين شعر الملحون كإبداع أدبي صرف والموسيقى بكل تجلياتها؛ (غناء وتلحين وإيقاع). واختلاط هذا الأمر يؤدي إلى الوقوع في هفوات وأخطاء؛ وأحيانا إلى الزعم والادعاء؛ كما أشار د عباس الجراري رحمه الله في توصيات ضمنها في رسالة وجهها لأشغال المهرجان الأول لمدينة فاس بمناسبة تكريمه سنة 1981. يقول في التوصية الثالثة منها: “عدم الخلط في الملحون وفي كل تراث، والشعبي منه على الخصوص بين النظم والإنشاد والحفظ والتدوين والدراسة العلمية، فهي مجالات خمسة كثيرا ما يؤدي عدم التمييز بينها إلى الوقوع في هفوات وأخطاء؛ وأحيانا إلى الزعم والادعاء، ولاسيما فيما يتصل بالبحث في قضايا أدبية وتاريخية ودينية”.

لذلك تطرح قضية الإنشاد من زاوية الفعل الشعري عند أهل الملحون والذي لم يرتبط بالعملية الإبداعية الشعرية، ولكن ارتبط بالإنجاز اللفظي للقصيدة. ذلك أن “مشيخة” الملحون ثنائية عند أهل هذا الفن، ودأبوا على الذكر المتلازم ل”شِيخْ السّْجِيَّة” أي الشاعر، و”شِيخْ الْكْرِيحَة” أي المنشد. وقد تناول أهل هذا الفن هذه المتلازمة من حيث أنها شرط أساسي من شروط تتحقق المتعة الفنية في ارتباطها بالكلمة والصوت والتوقيع. ويشير د عباس الجراري في “القصيدة” إلى هذه المتلازمة في قوله: “وللأسف أننا لا نستطيع معرفة الأسلوب الذي كانت تؤدى به القصائد قبل اتخاذها للغناء، وإن كنا لا نشك في أن “السّْرَادَا” أثر لهذا الأسلوب، والسبب أن الزجل الذي وصلنا ملفوظا لا يسير على غير ميازين الموسيقى الأندلسية…”، وقوله: “ولعلنا أن نذكر بأن هذا النمط من الشعر كان يتداول بالشفاه. وكان له حفاظ ينشدون ما يبدعه الشعراء من قصائد. وقد يكون للشاعر راوٍ أو أكثر يكون مختصا بنشر إبداعه. وللتمييز بين الشاعر والراوي فإنهم فرقوا بين “شَيْخْ اَلنْظَاْم” و”شَيْخْ اَلنْشَادْ”. دون استبعاد وجود المنشد الناظم، الراوية الشاعر”.

يتبدى هنا جليا الفرق بين المنشد في شعر الملحون والراوي في تاريخ الشعر العربي، كما تتأكد متلازمة الشعر والإنشاد سواء سردا أو توقيعا. وهذا ما يميز خطاب شعر الملحون ويجعله متفردا، لكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الدراسة المنفصلة لكليهما غير ممكنة بل هي أساسية، “لأن مؤلف النص الشعري ليس هو بالضرورة ملحنه كما يذكر د عباس الجراري، في كتابه “أثر الأندلس على أوروبا في مجال النغم والإيقاع”: فالشاعر ينشئ قصيدته أو مقطوعته بناء على مقاييس شعرية معينة ثم يأتي الملحن فيحاول تطويع النص وإخضاعه لضرورات الغناء”.

وبذلك يصبح تلحين القصائد الأولى في أي بحر أو “قياس” نموذجا غنائيا كلما أبدع شاعر الملحون على منواله العروضي يَتغنى به المنشدون بعد حفظه بما يقتضي ذلك من روعة وجمال واستكناه للمعاني الظاهرة منها والخفية. وبهذا المنظور التكاملي تصبح العلاقة بين الإبداع الشعري، بكل المقومات التي يمتلكها والمؤسسة للخطاب الشعري من جهة، والإنشاد من جهة أخرى علاقة حتمية ومتلازمة، تغذيها ما تمتلكه قصيدة شعر الملحون من امكانيات إيقاعية هائلة، “فالإيقاع من الخصائص الشعرية الأساسية الثابتة في الشعر المعرب والموشحات والأزجال والملحون… وغيرها قامت عليه.” كما يقول د محمد مفتاح.  في تقديمه لكتاب “شعر الملحون بحاضرة آزمور”.

وقد ربط أهل الملحون تحقق الفرجة في بعدها التداولي بالتماهي الحقيقي بين النص الشعري والمنشد. فالنص يصبح يتيما بعد اكتمال عملية الإبداع، رغم وجود الشاعر، يفيد فقط في عمليات التشريح والدراسة والبحث لاكتناه الظواهر والقضايا والمقومات الشعرية المعجمية منها والبلاغية والبديعية والإيقاعية والتخييلية. والمنشد كأول متلقي هو من يحييه ويمتلك الحرية في تأويله، فميلاد القارئ رهين بإعلان موت المؤلف كما يقول “رولان بارت”، أي انتهاء إنجاز الفعل الإبداعي. وإلى ذلك يشير د عباس الجراري في مدخل “القصيدة” بقوله: ” بهذه الآلات وعلى تلك الأنغام يؤدي المنشد القصيدة، والعادة ألا يكون الناظم، ويطلق عليه “شَيْخْ النْشَادْ” و”الحَفَّاظْ”، وقالوا في أمثالهم “اَلسَّجَايْ تَيَوْلَدْ وَالْحَفَّاظْ تَيْرَبِّي” يقصدون أن الزجال ينشئ ولا يستطيع أن ينشد ويحتاج إلى ذلك الراوي الذي يروج له قصائده “.

ويصبح التعامل مع النص الشعري ككيان منفصل أو كبنية مستقلة، حاجزا أمام تحقق الفرجة لأن دور المنشد والمتلقي ضروري وأساسي في تكامل العملية الفرجوية، وتحقيقا لمعنى “الْمَلْحُونْ فْرَاجْتُو فَكْلاَمُو”.

                                                                                      

                                                                            

 

آخر الأخبار

ثورة "السكك"..هذه تفاصيل تقدم أشغال "البراق" بين القنيطرة ومراكش
تسير أشغال إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش تقدما ملحوظا وفق الأجندة المحددة. يتعلق الأمر بمشروع سككي ضخم وتاريخي، كان قد أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس قبل سنة من الآن، فيما يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية بفعالية تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، الذي رصد له غلاف استثماري يصل ل96 مليار درهم. […]
تحكيم مغربي لإدارة قمة الدوري التانزاني
وجه الاتحاد التنزاني لكرة القدم طلبا للجامعة الملكية المغربية، قصد تعيين طاقم تحكيم مغربي، لقيادة مباراة ضمن منافسات الدوري المحلي. ووافقت الجامعة على طلب الاتحاد التنزاني من خلال تعيين حمزة الفارق كحكم ساحة، بمساعدة لحسن أزكاو وحمزة الناصيري، بينما أنيطت مهمة الحكم الرابع لمصطفى كشاف. وسيدير هذا الطاقم التحكيمي مبارلة القمة بين سيمبا ويانغ أفريكانز، يوم ثالث ماي القادم في التاسعة […]
إصابة حكيمي تربك وهبي
سارع الطاقم الطبي للمنتخب الوطني لكرة القدم إلى الاتصال بباريس سان جيرمان، للاستفسار عن طبيعة الإصابة التي تعرض لها أشرف حكيمي في المباراة ضد أونجيه أمس السبت. وبدأ السيناريو في الدقيقة 35 من عمر اللقاء، عندما شعر حكيمي بآلام عقب انطلاقة سريعة. ورغم شعوره بالانزعاج، إلا أن الظهير المغربي فضل البقاء في الملعب حتى نهاية […]
الرجاء يعتمد نظاما رقميا جديدا لولوج "دونور"
أعلن الرجاء عن اعتماد بروتوكول جديد لولوج مركب محمد الخامس، بالتنسيق مع السلطات العمومية لتعزيز شروط الأمن والتنظيم وتحسين تجربة الجماهير.​ ويعتمد النظام الجديد حصريا على التذكرة الرقمية التي يتم الحصول عليها عبر التطبيق الرسمي للرجاء. وكشف الرجاء أنه لن يسمح بالدخول إلا من خلال مسح رمز الاستجابة السريعة عبر التطبيق.​ وأكد البلاغ أن حاملي […]