أزمة الديمقراطية الأمريكية

بواسطة السبت 14 يناير, 2023 - 09:22

تشهد الولايات المتحدة هذه الفترة ما وصفته صحيفة “الجارديان” البريطانية بالإختلال الوظيفي، إثر فشل زعيم الأغلبية الجمهورية، كيفن مكارثي ، بشكل متكرر حتى نجح بعد 14 جولة، في الحصول على الأصوات اللازمة لتولي رئاسة مجلس النواب، حيث في الجولات السابقة لم يستطع زعيم الأغلبية حشد 218 صوتاً لازمة لقيادة المجلس في ظل رفض 20 من أعضاء حزبه التصويت له، في واقعة حزبية قيل أنها لم تحدث منذ عام 1923.

المعضلة في هذا المشهد الأمريكي الحرج ليست في تكرار محاولات مكارثي الانتخابية، ولكنها تكمن بالأساس في الانقسام غير المسبوق الذي يعانيه الحزب الجمهوري، وهو أمر سينعكس حتماً سواء على الأداء التشريعي للحزب داخل مجلس النواب وخصوصاً في القضايا الجدلية أو الخلافية حتى على مستوى الحزب ذاته، أو على فرص الجمهوريين في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث لا يزال الانقسام قائم بشأن تأييد الرئيس السابق دونالد ترامب الذي يعتزم خوض الانتخابات المقبلة عام 2024.

بلاشك أن أزمة الديمقراطية الأمريكية لم تبدأ مع انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب، فالواقع أن ذروة تأزم الديمقراطية الأمريكية قد تجلت في واقعة إقتحام مبنى “الكابيتول” في السادس من يناير عام 2021، في واقعة غير مسبوقة تاريخياً في الولايات المتحدة، وحيث لا تزال آثار هذه الواقعة المسيئة للولايات المتحدة وسمعتها، قائمة، بين الجمهوريين على وجه التحديد، وقد تسببت في تراجع نتائجهم بشكل ملموس في إنتخابات التجديد النصفي الأخيرة، رغم حالة عدم الرضا الشعبي على أداء الرئيس الحالي جو بايدن.

بعض المراقبين يرون أن ما يدور في مجلس النواب الأمريكي حالياً هو نتيجة مباشرة لأحداث السادس من يناير 2021 واقتحام المقر التشريعي الأهم في العالم، وسيطرة المتطرفين عليه، وفشل التحقيقات ـ حتى الآن ـ في التوصل إلى إستنتاجات رادعة تمنع تكرار ماحدث وتثبت للعالم أن الديمقراطية الأمريكية قادرة على تصحيح أخطائها ومعالجة إشكالياتها. والمعضلة ـ برأيي ـ ليست في الأسباب التي ربما يدركها الكثيرون، ولكنها تكمن بالأساس في النتائج والعواقب المحتملة لذلك، لاسيما على صعيد إختيار المرشح الجمهوري للحزب في الإنتخابات الرئاسية المقبلة، حيث يمكن أن تحول الفوضى والإنقسامات الحزبية دون الإتفاق على مرشح للحزب، الذي يبدو منقسماً على نفسه، ويصعب عليه العثور على قيادة قادرة على توحيد الحزب بأكمله ورائها في سباق الإنتخابات الرئاسية المقبل.

برأيي، فإن أزمة الديمقراطية الأمريكية تفوق هذه “الأعراض” التي لا يمكن التهوين منها أو تبسيطها، ولكن هناك أمور تفوقها تأثيراً ولم يتم الإنتباه لها، فالساحة السياسية الأمريكية باتت أقرب إلى “العقم السياسي” حيث نلحظ صعوبة شديدة في العثور على قيادات حزبية جديدة، سواء بسبب فشل سياسات الإدارة الحزبية وطغيان نفوذ الحرس القديم، وهو مالعب الدور الأبرز في صعود بايدن وترشحه عن الحزب الديمقراطي رغم كبر سنه وعدم قدرته على قيادة الدولة الأقوى في العالم في هذه الظروف الصراعية المضطربة، أو بسبب السقوط في براثن الظاهرة الترامبية، حيث لا يزال الرئيس السابق دونالد ترامب يمثل رقماً صعباً في معادلات الصراع السياسي الأمريكي رغم كل الجهود التي ذلت من أجل إبعاده واقصائه.

مجمل هذه الإشكاليات والأزمات المعقدة التي تعانيها الديمقراطية الأمريكية قابلة للتصاعد خلال المستقبل المنظور، في ظل دخول الصراع بين الحزبين الرئيسيين إلى مربع الصراع الصفري، بكل ما يعنيه من إستقطاب سياسي حاد وصعوبة الوقوف على أرضية مشتركة، ناهيك عن أن الحزب الجمهوري نفسه يعاني إنقساماً داخلياً حاداً يتمحور جزئياً حول أفكار ترامب، حتى أن ممثلي الحزب لم يدركوا تأثيرات الفشل في السيطرة على مجلسي الكونجرس كما كان متوقعاً قبيل إنتخابات التجديد النصفي الأخيرة، فضلاً عن السيطرة على مجلس النواب بأغلبية بسيطة.

لست مع هواة المبالغة والتهويل من دلالات مايحدث والزعم بأنه بداية نهاية الولايات المتحدة وغير ذلك، ولكنني لا استطيع كذلك التهوين مما يحدث في الديمقراطية الأمريكية، ولاسيما على صعيد سمعة الولايات المتحدة، التي تفقد تدريجياً مكانتها ورمزيتها وسلطتها المعنوية التي كانت تؤهلها للعب دور قيادي عالمي على صعيد الديمقراطية تحديداً، إذ لم يعد بإمكان واشنطن ـ على سبيل المثال ـ تقلد دور الموجّه وإملاء الدروس على بقية دول العالم فيما يتعلق بالديمقراطية والحريات وقواعد الممارسة السياسية، ليس فقط من باب أن فاقد الشىء لا يعطيه، ولكن أيضاً لأن من الصعب إملاء الدروس على الآخرين في حين يقف “النموذج الأمريكي” عاجزاً عن وصف العلاج لنفسه!. وإذا كانت الولايات المتحدة قد فقدت جانباً كبيراً ومهماً من هيبتها وسمعتها ومكانتها التقليدية على صعيد الممارسة الديمقراطية، فإن هذه الخسارة ستنعكس بالضرورة على موقفها في الصراع الدائر على النفوذ العالمي مع بقية خصومها الإستراتيجيين، وبالأخص الصين.

آخر الأخبار

بلومبرغ: المغرب أحد أبرز المنتخبات الإفريقية المرشحة للتألق في كأس العالم 2026
كتبت وكالة “بلومبرغ” الأمريكية، اليوم الخميس، أن “أسود الأطلس” يعتبرون أحد أبرز المنتخبات الإفريقية المرشحة للتألق خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم (فيفا) 2026، مشيرة إلى أن المنتخب المغربي يزخر بـ “ترسانة قوية من اللاعبين الذين ينشطون في أفضل الدوريات الأوروبية”. وأكدت الوكالة الإعلامية الأمريكية أن “المغرب يجمع بين المواهب الكروية الفذة، والتركيبة الديموغرافية المواتية، […]
أخنوش...المجموعات الصحية الترابية أداة مركزية للانتقال من تدبير القطاع إلى بناء منظومة صحية وطنية متكاملة
أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمس الأربعاء بالدار البيضاء، أن المجموعات الصحية الترابية تعد أداة مركزية للانتقال من منطق تدبير قطاع الصحة إلى منطق بناء منظومة صحية وطنية متكاملة. وأوضح أخنوش في كلمة خلال أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء- سطات، أن هذا التوجه الذي اختارته المملكة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، […]
حددت تركيبتها وحاجياته بدقة.. إنجاز أول خريطة للأسر المستفيدة من الدعم
في أول دراسة من نوعها، خرجت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي بأول خريطة للأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي،  والبالغ عددها إلى 3.9 مليون أسرة. بناء على الدراسة تم تصنيف الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر ضمن خمس مجموعات من أجل معرفة أدق لحاجياتها الحقيقية. جاء ذلك بفضل مقاربة متقدمة في التصنيف الإحصائي، تقوم  تجميع الأسر المستفيدة […]