قال الاقتصادي وخبير السياسات العامة، عبد الغني يمني، إن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، رغم طموحه، فإنه تنزيله يبقى رهينا بمستوى التضخم واستقرار الدرهم وتراجع حدة الجفاف.
على المستوى الميزانياتي، يقدر حزب الأصالة والمعاصرة كلفة تدابيره الجديدة بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، على أن يتم تمويلها، على وجه الخصوص، من خلال 300 مليار درهم من المداخيل الإضافية المتوقعة بفضل النمو الاقتصادي وتوسيع الوعاء الضريبي عبر تقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل.
تنضاف لهذه الموارد 40 مليار درهم من الجماعات الترابية، و10 مليارات درهم ناتجة عن ترشيد النفقات وإعادة تخصيص بعض الموارد الميزانياتية.
غير أن هذا السيناريو ، حسب الخبير ذاته في حديث لموقع “أحداث أنفو”، يقوم على فرضية الحفاظ على معدل نمو في حدود 5 في المائة، وهي فرضية تظل رهينة بمستوى منخفض للتضخم، واستقرار الدرهم، وتراجع حدة الجفاف، وتحقيق مواسم فلاحية جيدة.
يأتي ذلك في الوقت الذي ينبغي، حسب الأكاديمي ذاته، على كل استراتيجية اقتصادية حقيقية أن تتجاوز مجرد تحديد هدف إجمالي للنمو، بل أن تحدد القطاعات القادرة على تحويل الاستثمار إلى فرص شغل وقيمة مضافة محلية وصادرات، كما ينبغي أيضا أن تقدر بشكل دقيق إمكانات كل قطاع في خلق فرص العمل، وأن تحدد الجهات المؤهلة لاحتضان هذه الأقطاب الإنتاجية الجديدة، بما يسمح بتوسيع الخريطة الاقتصادية للمملكة وتحقيق توزيع أكثر توازنا لخلق الثروة بين مختلف المجالات الترابية.
كما يظل تحدي التشغيل، قبل كل شيء، بالغ الأهمية إذ أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تقدر عدد الوافدين الجدد إلى سوق الشغل المغربي بنحو 400 ألف شخص سنويا، يشير يمين، موضحا أنه مع التحول الديمغرافي، قد يمثل ذلك قرابة مليوني وافد محتمل جديد على سوق الشغل خلال خمس سنوات، في وقت لم يحدث فيه المغرب سوى 193 ألف منصب شغل صاف خلال سنة 2025.
معنى ذلك أن التعهد بإحداث مليون منصب شغل على مدى خمس سنوات يبدو غير كاف لاستيعاب الوافدين الجدد وخفض البطالة بصورة ملموسة على حد قول يمني.
هذا الهدف يقتضي نموا مستداما يقترب من 6 في المائة أو يتجاوزها، ولكن الأهم أن يكون هذا النمو أكثر كثافة في خلق فرص الشغل، يبرز خبير السياسات العمومية، لافتا إلى أن الفلاحة والسياحة والصناعة التقليدية من القطاعات التي يحتفظ فيها النشاط الاقتصادي بقدرة قوية على إحداث فرص العمل.
كما يتمثل التحدي اليوم في بناء قطاعات جديدة قادرة على تحقيق كثافة مماثلة في التشغيل داخل الصناعة وقطاعات المستقبل، لذلك، يسترسل يمني،لا ينبغي تقييم الأداء الاقتصادي من خلال معدل النمو وحده، بل كذلك من خلال عدد فرص الشغل المحدثة وجودتها، والقيمة المضافة المنتجة محليا، وتطور الصادرات، والارتقاء التكنولوجي، ومدى الاندماج الاقتصادي لمختلف جهات المملكة.
هذه المعادلة تنضاف إليها مسألة تآكل القدرة الشرائية وتراجع أوضاع الطبقة المتوسطة خلال السنوات الخمس الأخيرة، تحت تأثير التضخم وارتفاع أسعار اللحوم والمواد الغذائية وتكاليف التنقل والأزمات الجيوسياسية، ومن ثم، حسب الاقتصادي ذاته، يصبح التوفيق بين التحكم في عجز الميزانية وتمويل الحماية الاجتماعية ومستوى الضغط الضريبي مسألة محورية.
لكن زيادة المداخيل الضريبية وتخفيض الضريبة على الدخل يظلان أداتين من أدوات السياسة الميزانياتية. ويمكنهما مواكبة استراتيجية اقتصادية، لكنهما لا يمكن أن يحلا محلها، يضيف يمني، مؤكدا أن أي تخفيض مستدام للضريبة على الدخل يفترض إصلاحا ضريبيا طموحا قادرا على توسيع الوعاء الضريبي وإرساء مسار حقيقي للعدالة الجبائية.
يقتضي ذلك استكشاف مصادر جديدة للمداخيل، ولا سيما ما يتعلق بالتركات الكبرى والثروات الكبيرة والأرباح الاستثنائية، مع الحرص في الوقت نفسه على حماية الاستثمار المنتج. كما ينبغي تقييم الامتيازات الضريبية والمساعدات الممنوحة للمقاولات بصورة أكبر على أساس عدد فرص الشغل التي تحدثها، وحجم الاستثمارات التي تنجزها، والقيمة المضافة التي تنتجها داخل المغرب، ومدى مساهمتها الفعلية في التنمية الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يدعو يمني إلى بناء عقيدة مغربية للتحول الإنتاجي على أن تجمع هذه العقيدة بين اقتصاد السوق ودولة استراتيجية قادرة على توجيه الاستثمار، وتطوير البنيات التحتية الضرورية للقطاعات الجديدة، ومواكبة الابتكار، وتشجيع بروز أبطال وطنيين قادرين على المنافسة دوليا.
