حساء الثقافة !

بواسطة الأربعاء 8 مايو, 2024 - 09:31

حساء الثقافة ! 

لم يكن معقدا. كان مثقفا. وكان يهوى تقاسم ثقافته مع الآخرين، وتحبيب لغته إلى الآخرين. لذلك كان ماكان عليه، ولذلك صنع إسما سيظل خالدا في علاقة التلفزيون بالثقافة: بيرنار بيفو. 

غادر الكاتب ومقدم البرامج التلفزيونية الفرنسي عالمنا أول أمس الإثنين، عن سن يناهز التاسعة والثمانين، بعد حياة ثقافية مرحة وجميلة، أمضاها مدافعا عن لغة كان يعتبرها الأجمل والأكمل، هي اللغة الفرنسية (هذا رأيه على كل حال ورأي عدد كبير من محبي هذه اللغة الأنيقة)، وبعد مرور باذخ من الحياة سمته الأولى والأخيرة: البحث عن الحرف اللائق في المكان اللائق. 

الذين كانوا يشاهدون “تلفزيون أيام زمان”، وليس ارتكابات الوقت الحالي، يتذكرون برامج مثل “أبوسطروف”، أو “حساء الثقافة” (bouillon de culture)، أو امتحانات الإملاء الجماعية، أو أسئلة بروست، الفقرة التي كان ينهي بها بيفو برنامجه، ولايكتفون بالتذكر فقط. 

لا، يملؤهم فخر صغير وجميل أنهم شاهدوا تلك البرامج، وأنهم تعلموا فيها ومن خلالها شيئا: إسما لكتاب ذهبوا ليبحثوا عنه بعناء شديد في المكتبات، أو كاتبا قادما من بلد بعيد لم يكن لهم ليعرفونه لولا بيرنار بيفو، أو أغنية أو مسرحية أو عملا فنيا استضاف أصحابه، وقدمهم بتلك الطريقة المحببة العاشقة لهم التي تجعل مشاهده هو الآخر من محبيهم.

لماذا بدأنا الملحوظة عن هذا الكبير الذي رحل بعبارة : لم يكن معقدا، كان مثقفا؟ 

لأن مصاب البرامج الثقافية الأخرى، عندنا أو عند الآخرين اليوم هو ارتباطها بأنانيات كبيرة وضخمة تعتقد أنها تعيد تشكيل العالم وهي تقدم فقرة تلفزيونية عابرة. 

بيفو، كان العكس تماما، كان يصغر أمام المادة الثقافية التي كان يعتبرها أعظم ماأنتجه الإنسان. لذلك نجح هو فيما فشل فيه الآخرون، كل الآخرين: جعل المادة الثقافية، وهي مادة ليست في متناول الجميع، مادة جماهيرية يشاهدها الجل، لأن من يقدمها يتقن الحديث إلى هذا الجل. 

هذا هو الفرق الأساس بين برامج بيرنار بيفو الثقافية التي كان يلتف حولها الملايين من المشاهدين، في فرنسا وخارجها، وبين بقية البرامج الثقافية التي لايشاهدها الضيوف الحاضرون فيها أصلا. 

في سنوات أخرى، تبدو لنا الآن سحيقة وبعيدة جدا، كنا نحرص هنا في “الأحداث المغربية”، على تفريغ حلقات بيرنار بيفو باللغة العربية، وتقديمها للقراء في ركن يحمل إسم “زابينغ” (التجول بين القنوات)، وأحيانا كنا نسأل أنفسنا إن كان هناك قراء في المغرب سيهمهم الاطلاع على منتوج مثل هذا؟ 

كان الجواب يأتينا عبر رسالة بريدية، زمن الرسائل الجميل، من قارئ في ولاد تايمة، أو من قارئة في عمق الجنوب، أو نائي الشرق، أو بعيد الشمال، تشكرنا على الورقة التي نشرناها، وتقول “لقد احتفظت بالنسخة من ذلك العدد لغاية مفيدة”. 

مضى ذاك الزمن. مضى حقا. 

اليوم، الناس في مشاهداتها أصبحت تنفر من أناقة أناس مثل بيرنار بيفو. 

واليوم، الذوق العام أصبح قبيحا يحب القبيحين، ويميل إلى الرداءة، ويفر فرارا من الجمال. 

هل هو أمر سيء، أو غير عادي؟ 

لا أتصور، فالكتب التي حببنا بيفو في قراءتها تتحدث دوما عن تغير الأزمان، وتبدل الأوقات، وتعتبر عملية الصعود والنزول، في كل شيء، أمرا إنسانيا طبيعيا، عبر عنه شاعر عربي كبير ذات يوم وهو يرثي مافات، ولعله أبو البقاء الرندي: 

هي الأمور كما شاهدتها دول

من سره زمن ساءته أزمان. 

رحم الله بيرنار بيفو، فقد كان رجلا جميلا بالفعل.

آخر الأخبار

ثورة "السكك"..هذه تفاصيل تقدم أشغال "البراق" بين القنيطرة ومراكش
تسير أشغال إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش تقدما ملحوظا وفق الأجندة المحددة. يتعلق الأمر بمشروع سككي ضخم وتاريخي، كان قد أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس قبل سنة من الآن، فيما يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية بفعالية تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، الذي رصد له غلاف استثماري يصل ل96 مليار درهم. […]
البواري من مكناس: نحتاج لأفكار ''الشباب'' في التحول الفلاحي
على هامش أشغال الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، ترأس أحمد البواري وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أمس السبت بمدينة مكناس، لقاء مفتوحا مع طلبة مؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني الفلاحي، بحضور محمد فكرات رئيس مجلس الإدارة الجماعية للقرض الفلاحي. وجمع اللقاء، المنعقد تحت شعار “السياسات والتعليم الفلاحي: الرهانات والآفاق”، أزيد من 250 طالبة […]
هجمات باماكو.. مالي تكسر "جدار الصمت" والعين على الجزائر والبوليساريو
في الوقت الذي كانت فيه سحب الدخان لا تزال تصاعد فوق ثكنة “كاتي” ومحيط مطار باماكو، حمل البلاغ رقم (001-2026) الصادر عن الحكومة الانتقالية في مالي “لغة مشفرة” وجهت فيها أصابع الاتهام الضمنية إلى ما وصفته بـ “رعاة الإرهاب” (Sponsors)، في تلميح اعتبره مراقبون يستهدف بشكل مباشر الجزائر وجبهة البوليساريو. ويرى محللون سياسيون أن اختيار باماكو […]
كتاب "نحن أمة" .. طارق وبياض يتناولان إشكلات السرد الوطني
سلط الباحثين المغربيين حسن طارق، والطيب بياض، الضوء على إشكالات السرد الوطني من خلال عمل مشترك تحت عنوان “نحن أمة: السرد الوطني،سؤال المنهج وعتبات الفهم”. وأعلنت منشورات باب الحكمة أن هذا الكتاب يأتي في سياق فكري وثقافي يتسم بتجدد الأسئلة حول معنى “الأمة” وحدود تمثلاتها، حيث يعيد العمل المشترك مساءلة السرد الوطني باعتباره بناء تاريخي […]