حين نطالع العديد من المواد المنشورة في فضاءات التواصل الاجتماعي بشكل صريح، او في بعض المواقع الإلكترونية بشكل غير مباشر، حول موضع انضمام فوزي لقجع للمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، بعد إعلان انخراطه فيها، تكاد تخرج بخلاصة واحدة، وهي أن امر قيادة لقجع للحكومة المقبلة قد تم الحسم فيه مسبقا، من جهة، لا احد يعلمها.
إن الترويج لمثل هذه المزاعم، فيه إساءة لكل ما راكمه المغرب في مسلسل تطوير نموذجه الديموقراطي الخاص، وفيه إهانة واحتقار لقطاع واسع من المغاربة مازال مؤمنا بأهمية المشاركة السياسية، وبدور المؤسسات المنتخبة سياسيا وتنمويا.
إن من حق فوزي لقجع ان يمارس قناعاته السياسية، عبر خيار الانتماء لحزب سياسي، يقدر انه يعكس خياراته التي يؤمن بها، بل إنه سلوك مطلوب في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتي لا تكون في حالة أعضاء الحكومة إلا عبر خضوعهم لاختبار الانتخابات.
ولحدود اللحظة، لم يثبت انه استغل منصبه رئيسا للجامعة الملكية لكرة القدم، في سباق التنافس الانتخابي، ولا انه روج لخطاب قد يفهم منه أنه مرشح فوق العادة، وخارج مقتضيات نتائج الانتخابات التي تعكس خيارات الناخبين، لقيادة الحكومة، بل إنه لم يعلن لا هو ولا الحزب الذي انتمى له انه سيخوض غمار الانتخابات القادمة.
لقد سبق مرارا وتكرارا أن أعلنت اعلى سلطة في البلاد، ومن موقعها الدستوري والسياسي والأخلاقي أنها حريصة على احترام مقتضيات الدستور نصا وروحا، وأنها حريصة كذلك على حماية ورعاية الاختيار الديموقراطي ثابتا من ثوابت الأمة المغربية.
وبالتالي فإن الانتخابات القادمة، والتي اكد جلالة الملك حرصه على نزاهتها، ووجه تعليماته لوزير الداخلية بالحرص على ذلك، لازالت مفتوحة على كل الاحتمالات، وإن كانت الترجيحات تذهب إلى المنافسة على المرتبة الأولى ستنحصر داخل أحزاب الأغلبية الحالية، بالنظر للقوة التنظيمية والتعبوية، وللمرشحين الذين تم الإعلان عن منحهم التزكيات.
لقد سبق لحزب العدالة والتنية مثلا ان روج سنة 2016 بأن ما يسميه “الدولة العميقة” تعمل على ان يكون حزب الأصالة والمعاصرة هو الفائز بالانتخابات، لكن النتيجة كانت مخالفة لما الترويج له، وبدا أن تلك الإشاعات كانت لها وظيفتان: الأولى تعبوية في صفوف مناصري الحزب وأعضائه، والثانية استباقية في حالة الهزيمة الانتخابية، بادعاء ان الانتخابات كانت محسومة سلفا بقرار فوقي، وأنه قد وقع ما كنا نحذر منه.
وفي انتخابات 2021 ورغم ان كل المؤشرات ونوايا التصويت المعلنة، كانت تتجه إلى تصويت عقابي للولايتين المتواليتين لحزب العدالة والتنمية، فإن لا احد كان يتوقع ان الهزيمة الانتخابية ستكون إلى حد مؤلم جدا لحزب لم يكن يتوقع، ان الهزيمة الانتخابية ستتحول إلى تفكك تنظيمي، سيغادر على إثره العديد من القياديين سفينة المصباح.
والخلاصة من الوقائع السابقة، ان الدولة ما زالت امينة على حماية خيارات المواطنين في التصويت، وأن القائمين على المسار الانتخابي تنظيما وإعدادا ومراقبة، غير منحازين إلى أي حزب معين.
ولا يستبعد ان يكون الترويج لفوزي لقجع رئيسا للحكومة المقبلة، يشبه الترويج لفوز الأصالة والمعاصرة بانتخابات 2026 قبل ظهور نتائجها، وأن المستهدف من هذا الترويج هو فوزي لقجع نفسه، والحزب الذي ينتمي له.
ذلك ان الترويج لهذه الفرضية، يأتي غالبا من جهة الأحزاب المتخوفة من إمكانية حصول الأصالة والمعاصرة على الرتبة الأولى، اكثر مما نجده عند القريبين من هذا الحزب الأخير.
فهل يمكن اعتبار ذلك يدخل في إطار التهييء النفسي للأعضاء والمناصرين لاحتمال الخسارة؟ أو محاولة للتشويش على المسار الانتخابي السليم عبر الظهور بمظهر المواجهين لهندسة قبلية لنتائج الانتخابات؟
إن ما يقع يحيد عن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يسود في هذه المرحلة، والذي يجب ان يكون نقاشا حول الحصيلة الحكومية، وحول حصيلة وزراء كل حزب شارك في الأغلبية، وحول التصورات والبرامج الكفيلة بتأطير مرحلة 2026/ 2031، والتي سيكون المغرب خلالها بإزاء تحديات كبيرة: سياسية واقتصادية وتنموية.
أما من سيكون رئيس الحكومة المقبل، فالدستور واضح في كيفية تعيينه، وما على الأحزاب التي تأمل في أن يكون رئيس الحكومة من صفوفها، وأن تقود الحكومة المقبلة، وهو طموح مشروع، إلا أن تتجه إلى المسارات الصحيحة، والمتمثلة في صرح البرامج والإقناع بها، وتقديم الحصيلة والدفاع عنها، ومنح التزكيات لمن هو أهل لها، وتمتين قوة التنظيم الحزبي في هذه المرحلة، اما جعل الحملة الانتخابية السابقة لأوانها قائمة على التشكيك القبلي في الانتخابات، والتهجم صراحة او ضمنا على رجل قرر ممارسة السياسة من داخل حزب معين، ففما يمليه الخوف من نتائج الانتخابات، وليس الممارسة النبيلة للعمل السياسي.
والعجيب ان العديد من الأحزاب أصبحت تقدم دروسا في مضار الترحال الحزبي، وفي الوفاء للانتماء الحزبي، وفي التشكيك في مشروعية استقطاب كفاءات تكنوقراطية أو رجال أعمال أو اعيان على مقربة من انطلاق السباق الانتخابي، هي نفسها الأحزاب التي لطالما طعمت صفوفها برحل، بل بوأتهم مقاعد في مكاتبها السياسية، ولطالما افتخرت باستقطابها لتكنوقراط ولمسؤولين سابقين في مؤسسات الدولة، رغم ان ذلك لم يكن استقطابا سياسيا بقدر ما هو اضطرار لصبغهم باللون الحزبي خلال مشاورات تشكيل الحكومات.
إن ما يحسب لفوزي لقجع أنه اعلن انتماءه الحزبي قبل الانتخابات، ولم ينتظر ظهور نتائجها، ومعرفة الحزب الذي سيتصدرها لكي “يصبغ” بلونه، مع علمه المسبق أن أي هيأة حزبية ستتكون مرحبة بإعلان انضمامها لها، بل ساعية إلى ذلك وراغبة فيه، ولكنه اختار الخضوع للمنطق الانتخابي، الذي قد يكون من نتائجه مثلا استبعاده من أي منصب حكومي في حالة تصدر حزب آخر من غير الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات، ونجح في تكوين تحالف أغلبي بدونه.
أما إذا استندنا إلى مبدأ التداول السلمي على تدبير الشأن العام، فإن حزب التجمع الوطني للأحرار شارك تقريبا في كل الحكومات المتعاقبة منذ تأسيسه في نهاية السبعينيات، وأحزاب الاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية وغيرها .. شاركت في حكومات عديدة، بحيث يبلغ عدد سنوات تواجد كل حزب من هذه الأحزاب في الحكومات ما يفوق العشرين سنة، اما العدالة والتنمية فقد قاد لمدة عشر سنوات متتالية حكومتين، فيما الأصالة والمعاصرة لم يقد أي حكومة، ولم يشارك سوى خمس سنوات جزء من أغلبية لم يكن قائدها، فيما فوزي لقجع لم يكن سوى وزيرا منتدبا لدى وزيرة أخرى، ولمدة لم تتعد الخمس سنوات كذلك.
والحالة هذه، فمن هو مطالب اكثر من غيره بعرض حصيلته أمام الرأي العام ومن له المشروعية أكثر لعرض مشروعه امام الرأي العام..
