فاتورة الفساد

بواسطة الإثنين 15 أبريل, 2024 - 09:57

بين الفينة والأخرى تظهر قضايا فساد يكون أبطالها شخصيات عمومية.. تكون المتابعة ويكون الاعتقال والمحاكمة، وتسير الأمور وفق ما اتفق، إلى أن تظهر قضية أو قضايا أخرى..

 الخطير في بعض هذه القضايا  يظهر من خلال التحقيق من وقائع قد تبلغ حدا من الغرابة، حيث يتبين أن هناك ممارسات تقع في البلد تتجاوز كل التسلط الممكن، ويعم فيها تسيب خطير يمس كل القيم، بل يسائل الدولة بكل مكوناتها.

غير أن ما يثير الفزع حقا هو قدرة الفساد على التغول في المجتمع تجعله يتمظهر من خلال ممارسات تنتشر في كل مستويات المجتمع.. وقد ابتدعت بعض الأبحاث مفاهيم من قبيل الرشوة الكبيرة والرشوة الصغيرة، مثلا، وهذا التصنيف، وهذه التسمية تفيد بأننا أمام فساد عام يطبع معه المجتمع بشكل غريب.

في كل أرجاء العالم هناك تحايل على القانون، وهناك ممارسات إجرامية، هذا صحيح.. لكن الخطير في الأمر هو لما يصبح الفساد ممارسة مألوفة نراها يوميا، ويمارسها عدد كبير من أفراد المجتمع بكل البساطة الممكنة..

يصعب اليوم في المغرب أن يقوم المرء بأي معاملة، ولو تكون شراء إبرة، دون أن يكون حذرا، ودون أن يكون منتبها، بل ويشك في كل أطرافه ومع من يتعامل.. هذا الإحساس وحده يكفي ليصنفنا في أقبح المراتب من حيث النزاهة مثلا…

كثيرا ما ننتفض من ترتيب البلد في بعض المؤشرات، وفي الغالب نحمل الحكومة مسؤولية ما يقع.. لكن أليس هناك من مسؤولية يتحملها الجميع؟ الجواب على هذا السؤال صعب جدا خصوصا لما تكون هناك تواطؤات تؤطرها مصالح. لكن هناك واقعا لا بد من الاعتراف به وهو أن الفساد بيننا ينمو ويزداد بشكل خطير.

ليس المقام هنا لتفسير ظاهرة الفساد، فهذا عمل من اختصاص البحث العلمي السيكوسوسيولوجي، لكن لا مفر من الاعتراف بأن أكبر تحد يواجهه البلد، وأكبر معرقل لكل تنمية هو الفساد.. قبل أيام صدر استطلاع حول المقاولات والفساد، وكانت نسبة كبيرة من المقاولات تقول إنها واجهت الممارسة، ونسبة قليلة جدا قالت العكس.. الدراسات واستطلاعات الرأي، هي فقط منهجية لمعرفة الواقع، لكن ما يتحدث عنه الناس في جلساتهم يحكي عن أشياء قد تصل حد الغرابة.

هل نحن مجتمع فاسد؟ سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا، أفرادا وجماعات ومؤسسات.. والجواب الأساسي هو تفعيل أدوات المراقبة، والخضوع للقانون والمحاسبة، والضرب على أيدي الفاسدين.. غير ذلك سنستمر في متابعة الحملات الموسمية، وسقوط بعض الشخصيات بين الفينة والأخرى، وسقوط موظفين ومسؤولين هنا وهناك، وتستمر الحياة بفسادها الذي عهدناه. غير أن الاستمرار على هذا الوضع سيجعل صورتنا مشوهة وغير مشرفة، ويجعل بلدنا يؤدي الثمن من تخلفه وعرقلة كل المشاريع التنموية به، ويستمر التخلف وكأنه قدر مكتوب نواجهه. والخطير في الأمر سيكون هو استمرار وضع مقلق من غياب العدالة المجتمعية والمجالية، وغياب الشفافية ونزوعنا نحو مفارقات يبحث العالم عن الابتعاد عنها بكل السرعة المطلوبة..

لا يمكن الاختلاف حول أن فاتورة الفساد دائما غالية يدفعها المجتمع وتدفعها الأوطان بالدرجة الأولى. هذا الأمر يستدعي الخروج من دائرة الحملات التحسيسية والموسمية وانتظار سقوط بعض الفاسدين، وفتح نقاش عمومي حول الموضوع والتعامل بكل الصرامة المطلوبة من أجل مواجهة هذه الآفة القاتلة والمخربة.

آخر الأخبار

ثورة "السكك"..هذه تفاصيل تقدم أشغال "البراق" بين القنيطرة ومراكش
تسير أشغال إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش تقدما ملحوظا وفق الأجندة المحددة. يتعلق الأمر بمشروع سككي ضخم وتاريخي، كان قد أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس قبل سنة من الآن، فيما يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية بفعالية تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، الذي رصد له غلاف استثماري يصل ل96 مليار درهم. […]
هجمات باماكو.. مالي تكسر "جدار الصمت" والعين على الجزائر والبوليساريو
في الوقت الذي كانت فيه سحب الدخان لا تزال تصاعد فوق ثكنة “كاتي” ومحيط مطار باماكو، حمل البلاغ رقم (001-2026) الصادر عن الحكومة الانتقالية في مالي “لغة مشفرة” وجهت فيها أصابع الاتهام الضمنية إلى ما وصفته بـ “رعاة الإرهاب” (Sponsors)، في تلميح اعتبره مراقبون يستهدف بشكل مباشر الجزائر وجبهة البوليساريو. ويرى محللون سياسيون أن اختيار باماكو […]
كتاب "نحن أمة" .. طارق وبياض يتناولان إشكلات السرد الوطني
سلط الباحثين المغربيين حسن طارق، والطيب بياض، الضوء على إشكالات السرد الوطني من خلال عمل مشترك تحت عنوان “نحن أمة: السرد الوطني،سؤال المنهج وعتبات الفهم”. وأعلنت منشورات باب الحكمة أن هذا الكتاب يأتي في سياق فكري وثقافي يتسم بتجدد الأسئلة حول معنى “الأمة” وحدود تمثلاتها، حيث يعيد العمل المشترك مساءلة السرد الوطني باعتباره بناء تاريخي […]