عاشت مدينة سلا، مساء أمس الاثنين، على إيقاع أجواء احتفالية وروحانية مميزة، مع تنظيم موكب الشموع التاريخي احتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، في تقليد سنوي متجذر في ذاكرة المدينة، استقطب حشودا غفيرة من الساكنة والزوار الذين توافدوا لمتابعة واحد من أبرز المظاهر التراثية والدينية التي تشتهر بها حاضرة أبي رقراق.
وشهدت مختلف المسارات التي مر منها الموكب حضورا جماهيريا لافتا، حيث اصطف المواطنون على جنبات الشوارع لمتابعة تشكيلات الشموع المزخرفة بألوان وأشكال متنوعة، في مشهد احتفالي امتزجت فيه الرمزية الدينية بالفرجة الشعبية، وسط تفاعل واسع من الأسر والأطفال والشباب وزوار المدينة.
وتميزت نسخة هذه السنة ببرنامج متنوع، تخللته عروض فلكلورية وفنية محلية قدمتها فرق من مشارب مختلفة، عكست جانبا من غنى الموروث الثقافي المغربي وتعدد روافده، وأسهمت في إضفاء حيوية خاصة على فضاءات المدينة العتيقة والشوارع التي احتضنت فعاليات الموكب.
كما شكلت الأهازيج والمدائح النبوية والعروض التراثية المصاحبة للموكب جزءا من الأجواء التي طبعت المناسبة، لتتحول عدد من شوارع سلا إلى فضاءات مفتوحة للاحتفال، في صورة جمعت بين الطابع الديني للمناسبة والبعد الثقافي والاجتماعي لهذا التقليد المتوارث.
ويحظى موكب الشموع بمكانة خاصة لدى السلاويين، بالنظر إلى امتداد جذوره في التاريخ المحلي وارتباطه الوثيق بالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، إذ حافظت عائلات سلاوية عريقة على تقاليد صناعة الشموع وتزيينها وتشكيلها عبر أجيال متعاقبة، بما ساهم في ضمان استمرارية هذا الموروث وحمايته من الاندثار.
ولا تقتصر رمزية الموكب على الجانب الاحتفالي فقط، بل تستمد قوتها أيضا من ارتباطها بالزوايا والمساجد وبالتاريخ الديني والثقافي العريق لمدينة سلا، التي ظلت عبر قرون حاضنة لعدد من التقاليد الروحية والعلمية، ما جعل هذه المناسبة تتحول إلى موعد سنوي لاستحضار جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة.
ويجسد استمرار موكب الشموع إلى اليوم قدرة التراث المحلي على المحافظة على حضوره رغم التحولات الاجتماعية والعمرانية التي عرفتها المدينة، حيث تحرص الأجيال الجديدة بدورها على المشاركة في هذه التظاهرة ومواكبتها، بما يعزز انتقال هذا التقليد من جيل إلى آخر ويكرس مكانته ضمن أبرز المظاهر الاحتفالية المرتبطة بالمولد النبوي الشريف بالمغرب.
وبين وهج الشموع، وإيقاعات الفرق التراثية، والمدائح النبوية، أعادت سلا مساء الاثنين إحياء واحد من أكثر تقاليدها رسوخا، في احتفالية امتزج فيها الديني بالثقافي والشعبي، وأكدت مرة أخرى المكانة الخاصة التي يحتلها موكب الشموع في هوية المدينة وذاكرتها التاريخية.
