يفتح المنشور الأخير الصادر عن المديرية العامة للشؤون القضائية، التابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمتعلق بمستجدات قانون المسطرة الجنائية رقم 23.03، بابا جديدا لنقاش حقوقي وقانوني لم ينقطع في المغرب. فهو نقاش يتجاوز حدود التعديل الإجرائي ليصل إلى جوهر الفلسفة العقابية للمملكة وإلى اختياراتها الاستراتيجية في مجال حقوق الإنسان.
ويتمثل أهم ما جاء به هذا التعديل في تغيير طريقة النطق بعقوبة الإعدام داخل غرف الجنايات، من قاعدة الأغلبية إلى اشتراط الإجماع الكامل لجميع القضاة المكونين لهيئة الحكم. وهو تحول لا يمكن فصله عن السياق السياسي والحقوقي الذي يعيشه المغرب منذ اعتماد دستور 2011، بل يبدو أقرب إلى توجه تشريعي يروم تضييق نطاق اللجوء إلى هذه العقوبة الاستثنائية، عبر تشديد شروط إصدارها وجعلها أكثر صعوبة من الناحية العملية.
وعندما تؤكد الوثيقة القضائية أن الدولة يمكنها وضع حد للحق في الحياة من خلال عقوبة الإعدام، لكنها تعتبر أن هذا الحق ليس مطلقا، فإنها تعيد طرح الإشكال الفلسفي المتعلق بالتوازن بين السلطة العقابية للدولة وبين الالتزام بحماية الحقوق الأساسية للأفراد.
ويبرز هنا أثر الفصل 20 من دستور 2011 الذي جعل الحق في الحياة من الحقوق الأساسية التي تلتزم الدولة بحمايتها. فالأمر لم يعد يتعلق بمبدأ دستوري مجرد، بل أصبح يؤثر بشكل مباشر في الاختيارات التشريعية المرتبطة بالسياسة الجنائية. كما أن المشرع يعترف ضمنيا بخطورة عقوبة الإعدام باعتبارها عقوبة لا رجعة فيها، ما يجعل أي خطأ قضائي، مهما كانت نسبته ضئيلة، يؤدي إلى نتائج لا يمكن تداركها.
وتتقاطع هذه المقاربة مع التزامات المغرب الدولية، خاصة المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومع التوصيات الصادرة عن اللجنة الأممية المعنية بحقوق الإنسان عقب مناقشة التقرير الدوري السادس للمغرب. فمنذ سنة 1993 لم تنفذ المملكة أي حكم بالإعدام، وهو ما خلق وضعية توصف بالتعليق الفعلي للعقوبة، في انتظار حسم سياسي وتشريعي نهائي بشأنها.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن اشتراط الإجماع داخل هيئة الحكم يشكل إحدى الآليات القانونية التي تسعى إلى الحد من إصدار هذه العقوبة، دون الإقدام على إلغائها بشكل صريح.
وتتجلى أهمية التعديل أيضا في تفاصيل المادة 430 التي أعادت تنظيم المداولة داخل غرف الجنايات. فلم يعد التصويت يتم بشكل إجمالي، بل أصبح مسارا متدرجا يشمل التصويت على الإدانة أولا، ثم على الظروف المشددة والأعذار القانونية، وبعدها على الظروف المخففة التي أوجب القانون على رئيس الهيئة طرحها للنقاش والبت فيها صراحة، وصولا إلى العقوبات الإضافية والتدابير الوقائية.
وفي الوقت الذي يتم فيه اتخاذ مختلف هذه القرارات بالأغلبية، تظل عقوبة الإعدام الحالة الوحيدة التي تستوجب الإجماع المطلق بين أعضاء الهيئة. كما ألزم القانون بتحرير محضر مستقل للمداولة يوقعه جميع القضاة ويضم إلى الملف، مع التنصيص صراحة في منطوق الحكم على تحقق الإجماع. وهي ضمانات إجرائية إضافية تروم إحاطة هذا النوع من الأحكام بأقصى درجات الحيطة والتدقيق.
كما أن المذكرة التوجيهية للسلطة القضائية لم تغفل الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي، إذ استحضرت المرجعية الفقهية الإسلامية باعتبارها أحد الأسس التي تبرر تشديد شروط إصدار العقوبات الأشد. فالفقه الإسلامي، خاصة في جرائم الحدود والقصاص، أقام منظومة من الضمانات التي تجعل تطبيق العقوبة محاطا بقيود صارمة، استنادا إلى القاعدة المعروفة: ادرؤوا الحدود بالشبهات.
ويظهر من خلال هذا الاستحضار أن المشرع يسعى إلى بناء مقاربة تجمع بين المرجعية الإسلامية القائمة على تغليب درء العقوبة عند وجود الشبهة، وبين المرجعية الحقوقية الحديثة التي تضع الحق في الحياة في صدارة الحقوق الأساسية. وهو ما يمنح التعديل مشروعية قانونية ومجتمعية، ويخفف من حدة السجالات الإيديولوجية التي غالبا ما ترافق النقاش حول عقوبة الإعدام.
أما على المستوى العملي، فإن اشتراط إجماع جميع أعضاء هيئة الحكم، التي تتكون عادة من ثلاثة إلى خمسة قضاة، سيؤدي على الأرجح إلى تقليص عدد الأحكام الصادرة بالإعدام بشكل ملحوظ. فالمداولات القضائية بطبيعتها تعرف اختلافا في تقدير الوقائع وفي تقييم الظروف المخففة أو فرص إعادة الإدماج، ويكفي أن يعترض قاض واحد أو يتمسك برأي مخالف حتى يتم استبعاد عقوبة الإعدام واللجوء إلى عقوبات أخرى كالسجن المؤبد أو السجن المحدد.
وفي المحصلة، يبدو أن قانون المسطرة الجنائية رقم 23.03 يؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي مع عقوبة الإعدام بالمغرب. فهو لا يلغيها بشكل صريح من المنظومة القانونية، لكنه يحيطها بقيود وضمانات تجعل اللجوء إليها أكثر ندرة وصعوبة. وبهذا المعنى، فإن المغرب يواصل تطوير فلسفته العقابية في اتجاه يوسع من حماية الحق في الحياة ويعزز الضمانات القضائية، في انتظار أن يحسم النقاش التشريعي والمجتمعي مستقبلا في مسألة الإلغاء النهائي لهذه العقوبة.
