مشاهد صادمة تلك التي شاهدناها جميعا في حدود الجيبين الاستعماريين الإسبانيين سبتة ومليلية المحتلتين، والأدهى من ذلك هو التهويل الإعلامي المفضوح الذي رافقها بشكل يطرح علامات استفهام كبيرة، لا تقل أهمية عن اليقظة الوطنية التي يجب التحلي بها في التعامل مع هذا الموضوع، الذي تعرض لتوجيه ممنهج من قبل أطياف سياسية واعلامية في الضفتين، حاولت منذ اندلاع الأزمة، بل وحتى قبلها، توظيفه لخدمة مصالها الضيقة، في اصطدام تام مع الثوابث الوحيدة التي تؤطر القضية، وهو كون المغرب دولة ذات سيادة كاملة وغير منقوصة، تقرر خياراتها وتحالفاتها وملفاتها الجيوسياسية بإرادة حرة، وتضع حرمة أراضيها وأمنها القومي فوق كل اعتبار أو مساومة.
الثابت الأول في الموضوع هو أن المملكة المغربية لن تقبل أبدا بدفع ثمن الصراعات السياسية الحزبية والنزاعات الانتخابية الداخلية التي تخنق المشهد الإسباني، وأن المزايدات المحمومة بين حكومة بيدرو سانشيز والمعارضة في مدريد، والتخبط الأوروبي في بروكسيل، ليست سوى محاولات مكشوفة لتصدير الأزمات الشمالية نحو الحدود الجنوبية، وهو ما يواجهه المغرب بصلابة واستقلالية، رافضا استغلال استقراره كأداة في التدافع السياسي الإيبيري.
وعلى القدر نفسه من الوضوح والصرامة، لطالما أكدت المملكة أنها لن تقبل بلعب دور “دركي الهجرة” لحراسة حدود أوروبا لحساب أي طرف، وأن حماية أمن غرب المتوسط مسؤولية مشتركة تقتضي التزامات متوازنة، وليست عبئا أحاديا يلقى على عاتق بلد العبور. ورغم ذلك، ظل المغرب ملتزما بأخلاقيات الدولة العريقة في تنفيذ الاتفاقيات الثنائية لإعادة من عبروا بطريقة غير نظامية، ترفعا عن أدبيات الابتزاز ووفاء لمرجعيته المؤسساتية.
الثابت الثاني يؤكد أن موجات العبور نتجت عن تفاعل مسارات هجينة ومشبوهة، فالقرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز 2026، والذي قيد إجراءات الإرجاع الفوري، فتح ثغرة مسطرية سارعت شبكات الاتجار بالبشر إلى استغلالها باعتبارها “ضوءا أخضر”، بالتوازي مع الشائعات التي رافقت برنامج تسوية الأوضاع في مدريد، وهو ما واجهته الأجهزة الأمنية المغربية برصد استباقي ووعي ميداني حاسم.
الثابت الثالث، والمثير للشفقة، هو الشق المتعلق بحرب السرديات والتضليل الرقمي، حيث ظهرت بصمات النظام الجزائري بوضوح صارخ في هذه الأزمة. فقبل عشرة أيام كاملة من اندلاع الأحداث، انخرطت المنصات الإعلامية التابعة لعسكر المرادية، وعلى رأسها “AL24 News” و”Dzair Tube TV”، في ضخ محتويات مضللة بأسلوب توجيهي مكشوف تحت شعارات “الهروب الجماعي”، في محاولة بائسة لتأجيج الفوضى على الحدود المغربية.
وتعزيزا للموقف المغربي، جاء تصريح البيت الأبيض ليعري المزايدات الأوروبية ويضع الأصبع على الداء الحقيقي، كاشفا أن جذور الأزمة المتواجدة في قلب مدريد وسياسات اليسار المتطرف التي أوجدت بيئة مشجعة للهجرة غير النظامية، وذلك وفقا لـ”آنا كيلي”، المتحدثة باسم البيت الأبيض، التي أكدت في تصريح لوكالة الأنباء الإسبانية (إفي)، أن “الرئيس دونالد ترامب حذر أوروبا منذ فترة طويلة من تداعيات الاستمرار في تبني سياسات اليسار العالمي المتطرف، مثل تسهيل الهجرة الجماعية”، وأن “إسبانيا والدول الأخرى التي تبنت هذه الفلسفة المدمرة مطالبة بالتراجع عنها فوراً، وإلا فإنها تخاطر بمستقبلها وبقائها” اريد فقرتين داعمتين للمغرب
التنديد الدولي بإسبانيا لم يتوقف عند حدود واشنطن، بل امتد إلى قلب القارة الأوروبية نفسها، حيث جاء رد فعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حاسما وقاسيا، بإعلانها قرار حكومة بلادها تعليق العمل باتفاقية “شنغن” مؤقتاً في الملاحة البحرية والجوية مع إسبانيا، وإعادة تفعيل المراقبة الحدودية بشكل استثنائي لحماية الأمن القومي لبلادها ومواجهة شبكات تهريب البشر
هذا الموقف الإيطالي الصارم يثبت للجميع أن التقصير والتهور يقعان بالكامل على عاتق مدريد وسياساتها التساهلية التي تهدد المنظومة الأوروبية برمتها، بينما يظل المغرب شريكا يمارس صلاحياته السيادية بعقلانية ورزانة، ويرفض بصلابة لعب دور الحارس الإجباري لمن يخترقون أمنهم بأيديهم ثم يتباكون على الضفة الجنوبية.
وعليه، فإن تحميل واشنطن وروما المسؤولية المباشرة للحكومة الإسبانية ولتراخيها الأيديولوجي يسقط بالكامل كل المحاولات اليائسة لتحويل المغرب إلى “شماعة” تُعلق عليها إخفاقات الأوروبيين الأمنية والسياسية، ويؤكد مشروعية الموقف المغربي الذي طالما رفض أن يدفع فاتورة الإرباك الداخلي لحكومة سانشيز أو أوهام التردد في حماية الحدود.
في المقابل، برهنت التدخلات الميدانية للأجهزة الأمنية المغربية على قدرة استثنائية على امتصاص الضغط وإحباط أوهام الاختراق في زمن قياسي، مع احترام تام لمبادئ حقوق الإنسان. وهو أداء احترافي يكرس مكانة المملكة كـ”رقم صعب” وشريك أمني استراتيجي، يتجاوز أدوار الحراسة التقليدية إلى مهندس رئيسي للاستقرار الإقليمي في حوض البحر الأبيض المتوسط، رغم أنف الخصوم والمتربصين.
وعلى الجانب الآخر، كشفت الأزمة سوءة بعض الانتهازيين في الداخل والخارج، ممن ركبوا على الأحداث وحاولوا تصريف أحقادهم وصراعاتهم الحزبية والإعلامية الضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن. هؤلاء الذين عميت أبصارهم عن حقيقة أن الأمر يتعلق بقضية سيادية مصيرية لا تقبل المزايدات ولا المتاجرة، أثبتوا بأسلوبهم الرخيص أن أنانيتهم وطموحاتهم الذاتية تتجاوز أي حس وطني، إذ فضلوا ضرب التماسك المجتمعي والتشكيك في مؤسسات الدولة، لمجرد تسجيل نقاط سياسية عابرة وحصد “البوز” الرقمي، غير آبهين بأنهم يتساوقون، دون حياء، مع أجندات الخصوم الساعين إلى كسر هيبة المغرب وسيادته.
وبالعودة الى الثابث الأساسي والوحيد في الموضوع، فان الحقيقة الساطعة التي لن يستطيع أحد حجبها، هي أنه على مدى 27 عاما، وبفضل رؤية ملكية متبصرة واستباقية، بنى المغرب منظومة أمنية واستخباراتية صلبة جعلته شريكا فوق العادة لشركائه التاريخيين في مدريد وباريس وواشنطن. وأضحى التنسيق المغربي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وقضايا الهجرة مكسبا استراتيجيا دوليا، يتعين على الجانب الأوروبي السهر على تحصينه، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة للأحزاب والتيارات السياسية الإسبانية.
