لم يكن ما جرى في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك مجرد خلاف إجرائي عابر حول وثيقة أو ملحق، بل كان فصلا جديدا من معركة أعمق، معركة المصطلحات والرواية، ففي النزاعات الدولية، لا تُحسم المواقف بالخطب وحدها، بل بالكلمات التي تستقر في الوثائق الأممية وتتحول مع الزمن إلى حقائق قانونية، ومن يملك المصطلح يملك جزءا كبيرا من الشرعية.
ورقة تندوف: من الشعار إلى الأرقام
تدرك الجزائر جيدا أن ورقة تندوف فقدت كثيرا من بريقها داخل المنظومة الأممية، فبرنامج الأغذية العالمي بات يتحدث بلغة الأرقام والاحتياجات، عن نحو 133 ألف مستفيد من المساعدات، لا عن لاجئين بالمعنى القانوني الذي تريد الجزائر تكريسه، والفرق بين الكلمتين ليس لغويا فحسب، بل هو فرق بين وضع إنساني يُدار، ووضع سياسي يُستثمر، وأمام هذا التحول، لجأت الدبلوماسية الجزائرية إلى مناورة محفوفة بالمخاطر، استغلال رئاستها لاجتماع سابق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي ECOSOC في يوليوز، لإدراج ملحق يستبدل كلمة مستفيدين بلاجئين، ثم الدفع به نحو لجنة الـ24 باعتباره أمرا واقعا، إنها محاولة لصناعة شرعية عبر تعديل المصطلح الأممي من الباب الخلفي.
ماجدة موتشو: حين يتكلم النص
هنا تدخلت الديبلوماسية المغربية ماجدة موتشو بالسلاح الذي ظنت الجزائر أنها تحتكره، القانون والمسطرة، فقد ذكّرت بأن المادة 120 من النظام الداخلي تمنع توزيع الوثائق خارج الآجال المحددة، وبيّنت أن برنامج الأغذية العالمي نفسه أقر، عبر مذكرات شفوية، بوجود خطأ في الوثيقة والتزم بتصحيحه، حجة مزدوجة، إجرائية وموضوعية، لا تترك مجالا للمناورة، وحين عجز الطرف الآخر عن تقديم رد قانوني، انزلق السفير الجزائري إلى الشخصنة والهجوم، وفي هذه اللحظة تحديدا يتجلى الفرق بين ديبلوماسية دولة تبني مواقفها على النصوص والمؤسسات، وديبلوماسية نظام تُدار بمنطق ردّ الفعل والانفعال.
السؤال الذي لا تجيب عنه الجزائر
إذا كان سكان المخيمات لاجئين فعلا، فلماذا ترفض الجزائر منذ عقود إحصاءهم من طرف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهو إجراء معمول به في كل مخيمات اللجوء عبر العالم؟ الجواب الذي يطرحه المغرب بسيط لأن الإحصاء قد يكشف تضخيم الأرقام، ويعيد إلى الواجهة ما سبق أن أثارته تقارير أوروبية، من بينها تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الغش، حول تحويل جزء من المساعدات الإنسانية عن وجهتها، ومن هذا المنظور، لا تدافع الجزائر عن شعب بقدر ما تحمي استثمارا سياسيا عمره نصف قرن.
رؤية ملكية: الهدوء الذي يحسم المعارك
ما حدث في نيويورك ليس انتصارا معزولا، بل هو امتداد لنهج ديبلوماسي أرسى معالمه جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، ديبلوماسية هادئة، طويلة النفس، تراهن على الشرعية القانونية وتراكم المكاسب بدل الصخب الإعلامي، من مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، إلى العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2016، ثم توالي الاعترافات والمواقف الداعمة من واشنطن ومدريد وباريس ولندن، وصولا إلى قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2025 الذي جعل الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، رسمت الرباط مسارا واضحا، لا مواجهة في الساحات الخاسرة، ولا تنازل في المعارك الحاسمة.
لقد فهم ملكنا الغالي مبكرا أن معارك القرن الحادي والعشرين تُخاض في قاعات اللجان، وفي هوامش الوثائق، وفي دقة المصطلح، ولذلك بنى جهازا دبلوماسيا محترفا، يعرف النظام الداخلي للأمم المتحدة كما يعرف تاريخ القضية.
خلاصة القول: القانون أقوى من التزوير
انتصار موتشو لم يكن مجرد إسقاط لملحق، بل إسقاط لرواية كاملة حاولت أن تتسلل عبر كلمة واحدة، والدرس واضح، المملكة المغربية تكسب لأنها تلعب بقواعد القانون، والجزائر تخسر لأنها تراهن على فرض الأمر الواقع، وكلما تحولت المعركة إلى ساحة قانونية ومسطرية، ضاق هامش المناورة أمام الجزائر، واتسع أفق الدبلوماسية المغربية.
