تعيش الساحة السياسية المغربية في الآونة الأخيرة انزلاقات خطيرة في مستوى التخاطب والتدافع بين الفاعلين السياسيين. فإذا كان الأصل في العمل السياسي الديمقراطي أن يكون مبنياً على مقارعة الحجة بالحجة، وتفنيد البرامج بالبرامج، ومحاسبة الخصوم على حصيلة تدبيرهم للشأن العام، فإن ما بتنا نشهده من تصريحات، وتحديداً تلك الصادرة عن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، يخرج عن دائرة السجال الحزبي المألوف، لينحدر نحو مستنقع التشهير، وضرب النوايا، والرجم بالباطل، عبر توظيف ورقة “التصهين” كأداة لتصفية الحسابات السياسية.
بين الخصومة السياسية وخطيئة “الإفك”
إن المتابع للخرجات الأخيرة لبنكيران، سواء خلال فترة الحملة الانتخابية أو ما تلاها من أيام، لا يملك إلا أن يقف مذهولاً أمام حجم الاتهامات المجانية التي يكيلها لخصومه السياسيين. وهنا يطرح الملاحظ الحصيف تساؤلاً جوهرياً، مستلهماً من عمق التاريخ الإسلامي الذي طالما استند إليه الرجل في خطاباته: هل تحول هذا النهج الاستهدافي إلى استنساخ لفتنة “الإفك”؟
ففي واقعة الإفك التاريخية، التي استهدفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كان الهدف هو ضرب استقرار المجتمع وتشويه الرموز بالباطل، واليوم، حين يتم تخوين الخصوم دون دليل، يتساءل المرء: ألا يخشى من يطلق هذه الاتهامات، وهو في مرحلة متقدمة من العمر والمسار، أن ينطبق عليه التحذير القرآني الشديد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ حيث إن رمي الناس بالباطل والتشهير بهم ليس مجرد زلة لسان، بل هو مسؤولية دينية وقانونية وأخلاقية ثقيلة.
من “الأصل التجاري” إلى المنزلق الخطير
وإذا كان البعض، أمثال عزيز هناوي وبعض دهاقنة جماعة القومة الموءودة، قد ألفوا إصدار مثل هذه الاتهامات وجعلوها “أصلاً تجارياً” يقتاتون منه في المنابر الإعلامية أو في الوقفات الاحتجاجية قبالة البرلمان، فإن خطورة الأمر تتضاعف وتأخذ أبعاداً كارثية حين يتبنى شخص بحجم رئيس حكومة أسبق وزعيم سياسي نفس هذا الخطاب العدمي، حيث إن جنوح بنكيران إلى تبني هذه السردية يرفعه، للأسف، إلى منزلة لا تليق برجل دولة، لأنه يمعن في ترويج الأباطيل وتأجيج الفتن، تماماً كما تفعل رؤوس الفتنة في كل زمان ومكان.
فكيف جاز لبنكيران أن يقفز إلى استنتاج “بديهي” في نظره، يدعي فيه أن إسرائيل هي التي تدعم عبد اللطيف وهبي، أو غيره من القيادات كفاطمة الزهراء المنصوري، لتولي مناصب سياسية أو رئاسة مجلس النواب؟
ولأن القاعدة الشرعية والقانونية تنص على أن البينة على من ادعى، فإذا كان الرجل يمتلك معطيات وحججاً دامغة فليكشف عنها أمام المغاربة وأمام مؤسسات الدولة. أما في غياب الدليل، فإن هذا الكلام لا يعدو كونه كذباً وافتراءً، يضعه تحت طائلة أحكام القانون الجنائي الذي يجرم التشهير والقذف، ويجعله في ميزان الأخلاق “أفاكاً” يستبيح أعراض الناس السياسية لغايات حزبية ضيقة.
تقاطع خطير مع أراجيف الخصوم
ولعل من أخطر ما تنطوي عليه هذه الاتهامات بالتصهين وخدمة أجندات إسرائيل في المغرب، هو تقاطعها غير المفهوم مع الدعاية العدائية التي تستهدف المملكة. فهل يدرك السيد بنكيران أنه بترويجه لهذه التخرصات والأراجيف إنما يتقاسم، بقصد أو بدون قصد، نفس الخطاب الذي يتبناه النظام العسكري الجزائري؟
إن أعداء الوحدة الترابية للمملكة طالما حاولوا تسويق صورة مشوهة تتهم المغرب بكونه “دولة وظيفية” تخدم مصالح أجنبية وإسرائيلية على الخصوص، وعندما يخرج زعيم سياسي مغربي من طينة أمين عام حزب سياسي ورئيس حكومة سابق ليتهم وزراء ومسؤولين في بلده بخدمة أجندات إسرائيلية، فإنه يقدم بذلك هدية مجانية وخدمة ذهبية لخصوم المغرب، ويضفي شرعية وهمية على دعايتهم المغرضة من داخل المربع السياسي الوطني.
تهديد السلامة الجسدية وقتل السياسة
ولا تقف تداعيات هذا الخطاب عند حدود التشويه المعنوي والإضرار بصورة مؤسسات الدولة، بل تتعداه إلى تهديد حقيقي ومباشر للسلامة الجسدية للخصوم، حيث إن استغلال تهمة “الصهيونية” وإسرائيل كمطية لضرب الخصوم، في مجتمع شديد التعاطف مع القضية الفلسطينية، هو بمثابة تحريض مبطن. فإذا ما صدّق بعض المتعاطفين أو ما يمكن تسميتهم بـ”دراويش الأوساط الإسلامية” أو الفئات الأكثر تطرفاً هذه الاتهامات الملقاة على عواهنها، فإن حياة هؤلاء السياسيين وسلامتهم تصبح في خطر حقيقي.
إن الممارسة السياسية النبيلة تقتضي الارتقاء بالنقاش إلى مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، أما الانحدار نحو تخوين الخصوم وتوزيع صكوك الوطنية والدين والعمالة لهذا أو ذاك دون دليل، فهو إفلاس سياسي يعكس العجز عن المواجهة الفكرية والبرنامجية.
والمؤكد أن الوقت قد حان لكي يدرك كل فاعل سياسي أن الوطن يتسع للجميع، وأن المعارضة الحقيقية تبنى على الحجة الدامغة والبديل الواقعي، لا على استنساخ ممارسات “الإفك” وتجييش العواطف بالأباطيل.
