عبد الهادي فالملاح !!!

بواسطة الإثنين 2 فبراير, 2026 - 09:21

 

وفي التماعة الروح إذ تزهو بجميل الإحساس، يحضر عبد الهادي بلخياط بكل خيلاء في الجزء الأول والظاهر من الصورة، كما في كل أجزائها الخفية، مرافقا للأذن ولبقية حواس الاستماع منذ زمن الصبا الأول، بل قبل كل الزمن بزمن طويل. 

نقف بالساعات الطويلة أمام بوابة سينما الريف، في الملاح الجديد، بمدينة مكناس، منتصف التسعينيات. 

ما الذي ننتظره هنا في قاعة السينما المجاورة لإعدادية الرياض، التي كانت تقدم لنا المصري والهندي من الأفلام طيلة ثمانينيات القرن الماضي؟ 

ننتظر سهرة ولا أبذخ: نعيمة سميح وعبد الهادي بلخياط، فقط، لا غير. 

ومن سيقدم السهرة من فضلكم؟ 

الطيب الصديقي، فقط لا غير، مجددا. 

لذلك تشعر أجيال من المكناسيين أنها كانت أكثر حظا من الآخرين، أن برمج كبار جدا مدينتها باستمرار ضمن مسار تنقلاتهم، من المهدي المنجرة ذات قصر للمؤتمرات في حمرية وهو يكاد ينفجر بالناس، حتى سهرة الريف الخالدة تلك مع عظيمي الأغنية المغربية، ومن تقديم عظيم المسرح المغربي، مرورا بكل ما كانت مكناس قادرة على فتح القلب والعقل له من تظاهرات ثقافية وفنية وسياسية ورياضية واقتصادية ثقفت أهلها حينها، وجعلتهم على الحال الذي يعرفهم المغرب كله به. 

كيف أصبحت الإسماعيلية اليوم؟ 

هذا ليس سؤال الحلقة/ الملحوظة اليوم، دعونا في سهرة الريف تلك، يوم دلفنا رفقة صديق محب لعبد الهادي وعاشق لمتنه الغنائي حد الجنون إلى الكواليس. 

كان “الكومندار”، وهذا لقبه فقط، محبا ولهانا لعبد الهادي يحفظ أغانيه، بل يحفظ اللحظات التي ينتشي فيها بلخياط وهو يغني، ولحظات شجنه وكيفية وقوفه فوق الخشبة، وطريقة إمساكه للعود. 

شاهد “الكومندار” سهرات عبد الهادي في كل مكان، من باريس إلى الجزائر، أما سهرات المدن هنا فكانت فرضا عليه، وكان بلخياط رحمه الله يعرف الأمر جيدا، لذلك سمح له بدخول الكواليس للسلام عليه. 

صدفة أخرى من صدف الحياة الجميلة هي تلك التي جعلت كاتب هذه الأسطر مرافقا للكومندار في لحظة السلام تلك، وسنوات عديدة بعدها قلتها للحاج عبد الهادي وأنا أحضر بروفات التدريب على أغنية “البوهالي” في الجزء العلوي من مسرح محمد الخامس. 

لمعت عيناه بحب حين ذكر مكناس، وحين ذكر تلك السهرة بالتحديد في سينما “الريف”. 

تحسرنا على ما مضى، وقلنا إنه لن يعود، وقلت لعبد الهادي سرا إنه المغني الذي أمضيت معه، مثل كل المغاربة تقريبا، جزءا غير يسير من العمر أشدو بما يقدمه، وأستمتع بفنه وأقول هل من مزيد. 

ذكرته بأنه لم يكن اللقاء الوحيد في مكناس، وللصدفة لم يكن اللقاء الوحيد في حي الملاح الجديد، إذ صادفناه ذات صدفة أخرى رائعة، ونحن طلبة في مسجد الملاح، غير بعيد عن سينما الريف مجددا، قبل صلاة المغرب التي توقف في طريقه من فاس إلى الدار البيضاء لأدائها رفقة الجماعة. 

ألح عليه المصلون يومها أن يؤمهم، فرفض، واكتفى بإقامة الصلاة بصوته الجميل والقوي. 

كنا نفترش حصير مسجد الملاح، ونستعد لأداء صلاة المغرب، ومسامعنا تتلقى صوت هذا العظيم المتفرد الذي لن يتكرر، وهو يقيم الصلاة ويدعونا لأداء الفرض “قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله”. 

يومها، داخل المسجد كنت أقول لنفسي “سبحان من خلق هذا الصوت الجميل، ويستحيل إطلاقا أن يكون الفن حراما، لأن صوتا ربانيا ورائعا مثل هذا خلق لكي يستمتع به الناس، ولكي يقولوا عند ختام الاستماع والاستمتاع (الله، الله)”.

“خجولا أطل وراء الجبـــال ** وجفن الدجى حوله يسهر 

ورقراق ذاك العظيم على ** شاطئيه ارتمى اللحن المزهر

وفي موجه يستحم الخلود ** وفي غوره ترسب الأعصر

خشوعا أطل كطيف نبي ** وفي السفح أغنية تزهر 

توقعها رعشات الغصون ** يصلي لها ليلنا الأسمر 

على الربوات استهام العبير ** تعرى الجمال شدا الوتر 

وشقراء من عرصات الضباب ** يعب السنا طرفها الأحور 

لقد ظمئت روحها للضياء ** وفي بلدتي أكؤس تسكر

وقلبها مل ليالي الضباب ** وفي ليلنا أنجم تمطر

تسائلني حلوة اللفتات ** ومن شفتيها الشذى يقطر

أفي مرجكم تولد البسمات ؟ ** أفي ليلكم قمر أحمر؟

ورقراق موجاته أغنيات **  أمن سحره تنبع الأنـهـــر؟ 

وعزة هامات هذي الجبال ** أفي صخرها يرقد القدر؟

وهذي المراعي الخصاب ** أ لِلْوَحْيِ  في أرضكم معبد أخضر؟ 

تسائلني حـــلوة الوجــنــتــيــن ** يسائلني طرفها الأحور 

وفي السفح تاه عبير الأماسي ** وفي أفقنا يسهر القمر”

في وقت سابق من الزمن، كان المغاربة يسمعون هذا النوع من الغناء.

كان يكتب لهم عظيم شعره عبد الرفيع جواهري الكلام، وكان يلحن لهم عبد السلام عامر بحبه الخرافي للحياة الأغاني، وكان يغني لهم رجل كان يسمى قيد حياته عبد الهادي الإدريسي الزوكاري، وكانوا يعرفونه رحمه الله بعبد الهادي بلخياط. 

هل تغير أي شيء؟ 

لم يتغير أي شيء. 

عادي جدا. هي فقط دورة الحياة، وقطارها، كل واحد منا يركبه من محطة، ويغادره عند محطة أخرى، وفي رحلة الركوب تلك يصادف أحداثا ومسافرين ووقائع، هي قدره في نهاية المطاف. 

رحم الله أسد الأغنية المغربية، أمتعتنا أيها الفنان. شكرا.

آخر الأخبار

منية بالعافية تستنطق التاريخ والأسطورة في روايتها "عيشوا لأجل آلهتكم"
في إصدار أدبي لافت يمزج بين عبق الأسطورة وشذرات التاريخ، أطلقت الكاتبة والإعلامية المغربية منية بالعافية روايتها الجديدة “عيشوا لأجل آلهتكم” (المركز الثقافي للكتاب 2026)، لتقدم من خلالها نسيجا سرديا يغوص في تعقيدات النفس البشرية وصراعات السلطة. تدور أحداث الرواية في فضاء مكاني يدعى “إيغود”، وهو عالم يبدو للناظر من الخارج واحة من السكينة والاستقرار، […]
حلم العدالة المجالية حين يتحول إلى ورش للنهضة والكرامة
التحولات الكبرى التي تشهدها الأمم، تبرز قرارات لا تقاس بمجرد أثرها الإداري المباشر، وبحجم إعادة رسم خارطة المستقبل.والمغرب اليوم، يمضي بثبات نحو تفعيل جيل جديد من برامج التنمية الترابية، لا يقوم بمجرد إجراء تقني أو مراجعة عابرة لهياكل بيروقراطية؛ بل هو في جوهره انتقال نوعي وشامل في فلسفة الدولة، وعهد جديد يقطع مع زمن المركزية […]
الثورة الـ 210 مليار درهم.. خارطة طريق مغربية لإنهاء البيروقراطية وبناء أقطاب جهوية منتجة
بين رهانات التمويل وضوابط الحكامة، يفتح المغرب ورشا استراتيجيا لتحديث التنمية الترابية بغلاف مالي يصل إلى 210 مليار درهم. في هذا الحوار، يحلل الدكتور محسن الجعفري، الباحث في الاقتصاد السياسي، أبعاد الانتقال نحو ‘منطق المقاولة’ في تدبير الجهات، وكيفية موازنة شركات المساهمة الجديدة بين النجاعة الاستثمارية والخدمة العمومية، في ظل سياق ماكرو-اقتصادي يطمح لفك الارتباط […]