“الناتو” والتأثير الأمريكي وحرب أوكرانيا

بواسطة الإثنين 12 ديسمبر, 2022 - 10:24

اعتراف سانا مارين رئيسة وزراء فلنلندا بأن “أوروبا ليست قوية بما يكفي للتصدي للغزو الروسي لأوكرانيا دون دعم من الولايات المتحدة”، يبدو لافتاً بالنسبة لبعض المراقبين، رغم أنه يمثل في حقيقة الأمر تأكيد لواقع قائم بالفعل. رئيسة وزراء فنلندا، التي تنتظر بلادها البت في طلبها الإنضمام إلى حلف “الناتو”، استبقت تصريحها بالقول إنها يجب أن تكون “صريحة بشكل كبير”، وأن أوروبا يمكن أن تقع في “ورطة” من دون الولايات المتحدة.

المسألة هنا لا تتوقف ولا ترتبط بالتقديرات الإحصائية أو المقارنات الكمّية، فالولايات المتحدة قدمت منذ بدء الحرب في أوكرانيا نحو 5.18 مليار دولار دعماً لكييف، ناهيك عن الدعم الإستخباري والمعلوماتي والسياسي أيضاً، وهذه المساعدات تفوق مجمل المساعدات التي قدمتها الدول الأوروبية بأكملها لأوكرانيا، إذ يفترض أن يكون الإتحاد الأوروبي قد قدم حتى نهاية العام الجاري حوالي 2.7 مليار يورو دعماً نقدياً منذ بداية الأزمة في فبراير الماضي، حيث لا يزال الإتحاد الأوروبي يدرس آلية جديدة لدعم أوكرانيا مالياً بعد التباطؤ الواضح في الوفاء بالتعهدات الأوروبية التي سبق الإعلان عنها في بداية العام الجاري.

المعضلة ليست فيما مضى فقطـ بل تكمن أيضاً فيما هو آت حيث تحتاج أوكرانيا خلال العام المقبل إلى نحو 38 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم أعلنت إدارة الرئيس بايدن إستعدادها لتغطية نصفه، بينما لا يزال الإتحاد الأوروبي بحاجة إلى الموافقة على 3 مليارات يورو متبقية من حزمة مساعدات بقيمة 9 مليارات يورو وٌعدت بها أوكرانيا في عام مايو الماضي. كما لا تزال أوروبا تناقش صياغة خطة مساعدة أوكرانيا، وصرف الأموال لها، حيث يختلف أعضاء الإتحاد الأوروبي حول ما إذا كانت المساعدة على شكل منح أو قروض ميسرة، وأيضاً حول الضمانات التي يجبأن تتوافر لإقتراض الأموال.

المعضلة الأوروبية لا تقتصر على تقديم الأموال ـ سواء كانت منحاً أو قروضاًـ بل تشمل أيضاً تراجع القدرة على تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، إذ تؤكد التقارير تراجع مخزونات الأسلحة بسبب سحب كميات كبيرة منها لتقديمها لأوكرانيا، ما يعني أن هناك حاجة أوروبية ملّحة لإعادة بناء القدرات الدفاعية، وتشجيع الصناعات المرتبطة بهذا القطاع من أجل تلبية الإحتياجات في وقت تعاني فيها دول القارة بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وانقطاع إمدادات الغاز الروسية.

هذه المعضلة ليست وليدة حرب أوكرانيا، فالجميع يذكر النقاشات الحادة بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والقادة الأوروبيين بشأن مخصصات الدفاع الأوروبية، حيث يلاحظ أن الولايات المتحدة قد أنفقت نحو 3.7% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020 على ميزانية الدفاع، في حين بلغت هذه النسبة لدى بقية أعضاء حلف “الناتو” نحو 1.77% فقط. صحيح أن هناك مايمكن وصفه بإستفاقة أوروبية للإهتمام بالإنفاق الدفاعي عقب حرب أوكرانيا، حيث أعلنت ألمانيا تخصيص نحو 113 مليار دولار إضافية لميزانية الدفاع، وتتجه لرفع مساهمتهافي ميزانية “الناتو” إلى 2% من الدخل القومي، وهناك توجه بريطانيا لزيادة مخصصات الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.2 % قبل نهاية العقد الحالي، ولكن تبقى هذه الأرقام بحاجة إلى وقت كي تحقق مفعولها، ناهيك عن تحققها فعلياً على أرض الواقع.

معضلة “الناتو” تكمن بالأساس في ضعف مساهمات الأعضاء في ميزانية الحلف، الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي، حيث يحتاج الحلف إلى أن تصل مساهمات جميع الدول الأعضاء في ميزانيته إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل كحد أدنى، لتعزيز الجاهزية العسكرية للحلف، وهو مطلب يظل بعيد المنال في عدم قدرة بعض الأعضاء على الوفاء بهذه الإسهامات، ناهيك عن عدم قناعة البعض الآخر بوجود حاجة فعلية لذلك.

محصلة كل هذه السجالات تنعكس في مواقف الحلف وسياساتها حيال الأزمات والقضايا المختلفة، وبالأخص أزمة أوكرانيا، حيث لاحظ الجميع في أزمة سقوط صاروخين روسيين في قرية بولندية الشهر الماضي، مدى ارتهان الحلف للقرار الأمريكي، فبمجرد إعلان واشنطن أن الصاروخين لم ينطلقا من روسيا والتوجه نحو احتواء الأزمة تراجع أعضاء حلف “الناتو” عن مواقفهم التي اتسمت بقدر كبير من التصعيد ضد روسيا على خلفية هذه الحادثة، وعاد الجميع للحديث بلغة واحدة هي أن الصاروخ أوكراني. صحيح أن هذا هو الواقع والحقيقة، ولكن هذه الحقيقة لم تعلن أوروبياً سوى بعد إعتمادها في واشنطن، وإدراك أعضاء “الناتو” أن الولايات المتحدة لا تعتزم تبني موقفاً تصعيدياً ضد روسيا بناء على هذا التطور.

مجمل هذه الشواهد تؤكد أن الموقف الفنلندي، الذي يتسم بقدر عال من الصراحة، ليس سوى إنعكاس لحقيقة التأثير والدور الأمريكي داخل حلف “الناتو”، ما يعني إستمرارية الإرتباط العضوي خلال المدى المنظور على أقل التقديرات بين واشنطن وحلفائها الأطلسيين، وصعوبة إنسلاخ هؤلاء الحلفاء من النفوذ الأمريكي في القرار الأطلسي، أو حتى الحد منه.

آخر الأخبار

الدافري يكتب: الطيبون لا يخيبهم الله في ما يسعون إليه…
المختار لغزيوي، مدير نشر جريدة الأحداث المغربية وموقع أحداث أنفو، تم انتخابه رئيسا للمجلس الوطني للصحافة ب11 صوتا مقابل ثلاثة أصوات لمنافسه عبد الله البقالي.وقد حلت الصحافية حنان رحاب في المرتبة الثانية وتم انتخابها نائبة للرئيس.. أحكي هنا عن تجربتي الخاصة مع هذا الرجل. أقول تجربتي الخاصة. وهي تجربة أثرت في وجداني وفي ذهني. تعرفت […]
صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم تترأس حفلا دينيا إحياء للذكرى الثامنة والعشرين لوفاة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني
ترأست صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، اليوم الإثنين 21 شتنبر بمسجد السنة بالرباط، حفلا دينيا إحياء للذكرى الثامنة والعشرين لوفاة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. وتميز هذا الحفل الديني بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وإنشاد أمداح نبوية. وبهذه المناسبة، رفعت أكف الضراعة إلى العلي القدير بأن يشمل برحمته الواسعة جلالة المغفور […]
وفاة الفنان المغربي زكي الهواري.. وزارة الثقافة تنعي أحد وجوه الساحة الفنية الوطنية
توفي الفنان المغربي القدير زكي الهواري، أحد الوجوه البارزة في الساحة الفنية الوطنية، مخلفا حزنا في أوساط الأسرة الفنية والثقافية المغربية. ونعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل الراحل، معربة عن بالغ حزنها وأسفها لوفاته، ومشيدة بمسيرته الفنية وإسهاماته في إثراء المشهد الفني المغربي، وما تركه من بصمة لدى الجمهور المغربي. وتقدمت الوزارة، بهذه المناسبة الأليمة، بأحر […]