أنا واحد من الجيل القديم، أو الوسط العالق بين الجدد المحدثين، وبين القدامى المتأهبين، الذي يراقب ما يقع للشباب المغربي بخوف وقلق بالغين.
ألتقط أمورا كثيرة في مجالات التقاء عديدة بهم ترعبني، أعترف بذلك. وكل مرة أقول إننا أضعناهم في مكان ما، في انعطافة ما، “فشي دورة” لا أعرفها بالتحديد.
تركناهم لوحدهم يتحدثون وذهبنا، أو حتى عندما بقينا جالسين قربهم لم نعرهم كثير اهتمام، لذلك ضاعوا منا.
وعندما سمعت الشباب أبناء حي البرنوصي يتحدثون عن صديقهم الذي تورط في الجريمة المحزنة التي وقعت مؤخرا، ازددت تأكدا أننا نتحدث لغة، وهم يتحدثون أخرى.
أراهم في ملاعب الكرة، يدخلون في حالة من الغياب الكلي عن العقل (الأغلبية وليس الكل) ويتورطون في أحداث ضرب وجرح فيما بينهم، يجب أن تكون فعلا خارج كل أنواع السيطرة لكي تتورط فيها.
أسمع ما يطلقون في اليوتوب من أشياء يقولون عنها إنها أغان، وأنا أحترم وصفهم هذا وإن لم أتفق معه، لذلك أرغم نفسي على سماعهم ومشاهدتهم ومعرفة ما يفعلونه.
أرى هنا وأسمع هناك “كبي أتاي”، و”شربي هواي”، و”حركي داك الطرف”، وبقية البذاءات التي يجب الاعتراف “نيشان”، أنها “ما فن ما تا وزة”.
هي صرخات استغاثة، نداءات استعطاف، صيحات “أنقذونا من أنفسنا ومن الواقع الذي غلبنا” متتالية، يطلقونها بشكل متوحش غير مدروس ولا مفكر فيه بعناية عبر الأنترنيت.
شتمهم حين يرسلونها إلينا لن يحل الإشكال.
وصف أيوب أنه كان مخدرا وجانحا أثناء ارتكاب جريمته المحزنة لن ينهي مثل هاته الجرائم.
احتقار أصوات هؤلاء الشباب واعتبارهم “منحرفين” وكفى، أمر لن يتقدم بنا كثيرا.
بالعكس هو سيتأخر بنا أكثر مما نتصور، وسيفرض علينا ذات يوم أن نقوم بالتمرين الذي نؤجله الآن كل مرة: النظر إلى مرآة هؤلاء الشباب بأعينهم هم، لا بأعيننا نحن، ومحاولة التعرف على “أم المشكل”، أين يوجد، لكي نستطيع الخلاص منه نهائيا، أو على الأقل لكي نستطيع بدء مواجهته بطريقة عالمة تعرف خطورته كلها وتستوعبها، وتفهم أن الأمر جلل، وأنه ليس هينا على الإطلاق.
هذا الجيل الجديد يحاول الحديث معنا. لنحاول – رغم صعوبة الأمر ومشقته بالنسبة لنا نحن الذي تعودنا ألا ننصت إلا لأنفسنا – أن ننصت إليه.
“ما عندنا ما نديرو”، هذا فرض علينا وواجب، إذا كنا نريد التوقف عن تلقي الصدمات تلو الصدمات القادمة من أيوب ومن يشبه أيوب، وبقية من معه، والآخرين…
